|
أطفال من الأدغال!! قصة متلازمة فرط الحركية
ونقص الانتباه
ماذا أقول لك؟ هكذا
بدأ صاحبي حديثه. قلت: ماذا تقول لي. قال: أبحث عن الكلمة المناسبة. قلت:
ابحث كما تشاء ولكن عجّل قليلاً فعليّ أن أذهب إلى المستشفى الآن ولديّ هنالك
بعض المرضى الذين لا بد من معاينتهم. قال: حسناً سأختصر كلامي بعبارتين. قلت:
تفضّل. قال: حياتي عذاب!!
بداية طيبة!
قلت: والله هذه بداية
طيبة. هل تريد أن تحدثني اليوم عن أغاني أم كلثوم؟ أنا أعلم هوسك بالموسيقى
وأنك عازف ماهر وملحن ممتاز. قال: وهل ظل في الأمر موسيقى أو ألحان؟ قلت: هل
تركت حبك للموسيقى؟ قال: ليس الأمر كذلك ولكن الهم الذي أعيش فيه امتلك عليّ
حياتي وجعلني أبتعد ــ مؤقتاً ــ عن هواياتي. قلت: حسناً .... إذا كنتَ تريد
أن تقول لي إنك عاشق فأنا لن أفيدك في هذا المجال. قال: أوّلاً أرجو أن تخفض
صوتك عندما تتلفظ بهذه الكلمة فزوجتي في الغرفة المجاورة وحاسة السمع لديها
أسطورية. قلت: وهل يمكن أن تسمع حديثنا الهاتفي؟ قال: هي تسمع على جميع
الموجات السلكية واللاسلكية وكافة الأنواع. قلت: ثانياً؟ قال: ثانياً
الموضوع متعلّق بولدي فيصل. قلت: صحيح بالمناسبة كيف حاله في المدرسة؟ قال:
قل كيف حال المدرسة معه. قلت: اشرح لي لو سمحت. قال: مديرة المدرسة تتصل
بزوجتي كل يوم بشأن فيصل. فهو مصنف في المدرسة ضمن المشاغبين. قلت: لماذا؟
قال: جميع المدرسين لديهم مشاكل مع فيصل. فأوّلاً هو لا يستطيع أن ينتبه إلى
أي من الدروس.... بمعنى آخر ففترة الانتباه لديه محدودة جداً. وثانياً عندما
يسأل أي سؤال فإنه يجيب دون أي تفكير في مضمونه وغالباً ما تكون أجوبته
خاطئة. قلت: وثالثا؟ قال: ثالثاً هذه هي ثالثة الأثافي. قلت: كيف؟ قال: لأن
لديه نشاطاً غريباً. هل شاهدت فيلماً عن الأدغال؟ إن نشاطه يوحي لي بأنه قد
أتى من الأدغال. فهو ساعة على الكرسي، ومرة يصعد إلى طاولة التلفاز وتارةً
يركض ويحاول أن يتسلّق جدار الشرفة وطوراً يحاول أن يجلس بشكل غريب على طاولة
الكمبيوتر. لا أحد منا ــ زوجتي وأنا ــ يستطيع أن يتابع حركاته غير
المعقولة. ويضاف إلى ذلك أنه يقاطعنا طوال الوقت. نحن لا نستطيع أن نكمل
حديثاً. قد أكون أتحدث مع زوجتي أو أي ضيف من الضيوف فيقوم بمقاطعتنا بأسئلة
لا معنى لها في كثير من الأحيان ولا ضرورة. ثم إنه يريد أن يبدأ أي حديث في
أية لحظة، وإذا بدأ كلامه فإنك لا تستطيع أن توقفه بأي شكل. وأرجو ألا تسيء
فهمي أبداً .... فيصل ذكي جداً ... ولكننا نشعر أنه بحكم كونه (طائشاً) فإنه
لا يستطيع أو لا يحاول أن يستغل ذكاءه وبالتالي فإن درجاته المدرسية تدهورت
كثيراً في الفترة الأخيرة. قلت: وماذا قال المدرّسون؟ قال: لقد أرسلته
المديرة اليوم إلى المنزل وقد اتصلت بي وقالت إنها لن تقبل أن تعيده إلى
المدرسة ما لم يقم أحد الأطباء بتقييمه بشكل كامل ووضع تشخيص لحالته ومعالجته
وإرسال تقرير معنا يوضح هذه التفاصيل كلها. سألته: ومن هو (أحد الأطباء) هذا؟
قال: يا أخي أنت تسأل أسئلة غريبة في بعض الأحيان!
فرط الحركية ونقص الانتباه
قلت: بطبيعة الحال
قبل أن أقول لك قراراً نهائياً فلا بد من إجراءات متعددة أوّلها أن أعاين
(فيصلاً) في العيادة. ولكنني يمكن أن أعطيك فكرة عما أعتقد بشأن طفلك. قال:
أرجوك قل لي.
قلت: أعتقد أن طفلك
يعاني من مشكلة موجودة لدى الملايين من الأطفال في أمريكا وفي العالم كله.
قال: ماهي؟ قلت: إنها تدعى (متلازمة فرط الحركية ونقص الانتباه). قال: لنبدأ
بالموضوع كلمة كلمة. قلت: ماذا تعني؟ قال: ما هو معنى كلمة متلازمة أوّلاً؟
هل تعني المرض؟ قلت: كلمة متلازمة هي كلمة طبية ومعناها مشكلة صحية (تتلازم)
فيها مجموعة من الأعراض. قال: وما هي متلازمة (فرط الحركية ونقص الانتباه)؟
قلت: هي مشكلة شائعة جداً بين أطفال المدارس كما ذكرت لك، ويضاف إلى ذلك أنها
قد تمتد حتى الكبر. وباختصار فهي أشيع مشكلة سلوكية في الأطفال والمراهقين.
وهي تبدأ في الطفولة المبكرة وتؤدي إلى صعوبات في المنزل والمدرسة والعمل وفي
المجتمع.
الأعراض
سألني: وما هي
أعراضها؟ قلت: أهم أعراضها ثلاثة..... نقص الانتباه والانفعال الزائد وفرط
النشاط . إن نقص الانتباه هو أشيع أعراض هذه المتلازمة. فالطفل لا يستطيع أن
ينتبه مثلاً إلى دروسه أو إلى حديث أهله. ولا يمكنه أن يركز أو يتذكر أو ينظم
أفكاره. أما الانفعالية فهي تتميز بكون الطفل يجيب عن السؤال قبل أن يفكر
بمحتواه وبالتالي فإن معظم أجوبته لا تكون صحيحة أو ملائمة. وهذه الانفعالية
قد تؤدي إلى صعوبة لدى الطفل بتشكيل الصداقات في بعض الأحيان لأنها تؤثر
بوضوح على علاقاته الاجتماعية. فإذا امتدت المشكلة إلى الكبر عانى المريض من
عدم إمكانية الاستمرار في عمل ما لفترة طويلة كما أنه لا ينفق المال بحكمة.
وبالنسبة لفرط الحركية فربما كان بإمكانك أن تخبرني عنه أكثر مما أستطيع أن
أخبرك عنه أنا. قال: بالتأكيد! صدقني لست بحاجة لأن تشرح لي أي شيء عن فرط
الحركية. قلت: نعم ولكنني سأضيف لك شيئاً إلى ما تعرفه! قال: لا أعتقد .....
فأنا تعلّمت كل شيء عن فرط الحركية من خلال (فيصل). قلت: يا صديقي (طوّل
بالك)! ما أريد أن أخبرك عنه هو أمر يدعى (الزَلـَز)!!! قال: ماذا؟ قلت:
(الزَلـَز)!! قال: ومن أين أتيت بهذه الكلمة؟ من كتب الأصمعي؟ قلت: لا ....
أتيت بها من المعجم الطبي الموحد الصادر في الثمانينات من القرن الماضي! قال:
وماذا تعني؟ قلت: تعني أن الطفل لا يستطيع أن يجلس في نفس المكان لفترة طويلة
فهو ينتقل من كرسي إلى آخر طول الوقت وكأن الكرسي فيه إبر تخزه. قال: آه صحيح
.... يقال إن بليغ حمدي الملحن المشهور كان هكذا! وقد عانت منه أم كلثوم
الأمرّين عندما كانت تستمع منه إلى لحن أغنية (بعيد عنك حياتي عذاب)!! قلت:
أرأيت أنك لا يمكن أن تتخلى عن هواياتك الموسيقية حتى في أحلك الظروف؟ قال:
معك حق. ولكن لنعد إلى موضوعنا... ما هو السبب في هذه (المتلازمة)؟
السبب غير واضح
قلت: إن الدراسات
التي أجريت حتى الآن على هذه المتلازمة ــ وهي كثيرة جداً ــ لم تتمكن من
إيجاد سبب محدد. وإن كان العلماء يعتقدون أن هنالك مشكلة في التوازن الكيماوي
في الدماغ تؤدي إلى هذا المرض. وأحب أن أذكر لك أن المشكلة تحصل في أكثر من
فرد من أفراد العائلة في بعض الأحيان مما دعا العلماء إلى الاعتقاد بوجود سبب
وراثي لها.
السؤال الأهم
قال: إن سؤالي الأهم
هنا هو كيف ستقوم بعلاج بليغ حمدي من هذه المشكلة؟ قلت: بليغ حمدي؟ قال:
عفواً .... أقصد ولدي (فيصلاً)! قلت: في واقع الأمر لا يوجد شفاء من هذا
المرض في المرحلة الحالية. قال: شكراً لك.... أنت تعني أن حالة طفلي ميؤوس
منها. قلت: أرجو ألا تضع الكلام في فمي!! عندما نقول لا يوجد شفاء فهذا لا
يعني عدم إمكانيتنا على مساعدة المريض. فهنالك الكثير من الأمور التي يجب أن
نجريها وهي ذات فائدة هامة. ومن أهم هذه الأمور إعطاء بعض الأدوية وأشهرها
دواء يدعى (ريتالين) ويضاف إلى ذلك المعالجة السلوكية وتفهم الأهل والمعلمين
لهذه المتلازمة. إن جميع المحيطين بالطفل يجب أن يعملوا كفريق وهذا سيجعل
المعالجة أكثر نجاحاً.
الزمّار!!
قال لي: الآن فقط
فهمت. قلت: ماذا فهمت؟ قال: مشاعر أم كلثوم! قلت: أية مشاعر؟ قال: فهمت
مشاعرها عندما كان بليغ حمدي المصاب بالـزَ لـَز يتحرك أمامها كالمجنون من
كرسي إلى آخر وهي تقول له: اجلس يا بني! اهدأ يا بني!! قلت له: رحم الله
الحكيم العربي إذ قال. قال: وماذا قال؟ قلت: يموت الزمار وأصابعه تلعب
ً
|