|
التوحد الطفلي
ذلك اللغز الغامض!
كأنني ألمح وجه سؤالك يطل من
بين حروف عنوان المقال. تسألني: ماهو التوحد الطفلي؟ أنا لم أسمع به أبداً.
ولماذا يكون هنالك مقال عن موضوع لم يسمع به معظم الناس؟ وربما شطح بك الخيال
في سؤالك فقلت: هل التوحد الطفلي مرض من الأمراض؟ هل هو نظرية من النظريات؟
هل هو مذهب فكري جديد؟ وجوهر جوابي يكمن في سؤالك نفسه. أقول لك: إن أحد
الأسباب التي دعتني لطرح الموضوع هو أن معظم الناس لم يسمعوا بهذا المرض
الهام. وهو قد لا يكون شائعاً ولكنه مرض مهم وموجود فعلاً ولكن مشكلته في
كثير من الأحيان أنه لا يشخص أصلاً!
الخروج على القاعدة
على أن سؤالك له مبرر
واضح لا بد من الاعتراف به. فقد جرت العادة في صفحتنا الطبية أن نتناول
مواضيع طبية شائعة. والذي دعاني للخروج على القاعدة اليوم ثلاثة عوامل:
اقتراح كريم واستشارة قديمة وضجيج صحفي!! وتقول لي: أنت الآن تتكلّم
بالألغاز! ويبدو أنك تأثرت بعنوان المقال. وأجيبك: معك حق. هذه عادة قديمة
لديّ! على كل سأشرح لك الأمر. فأما الاقتراح فمن سيدة وأخت كريمة من
كاليفورنيا، السيدة أم مثالية (وهي طبيبة أطفال) لديها طفل جميل مصاب
بالتوحد الطفلي وقد طلبت إليّ أن أبحث هذا الموضوع لتعم فيه الفائدة. اقتراح
الزميلة الفاضلة ذكّرني باستشارة هاتفية من صديق عزيز من مدينة واشنطن. هذا
الصديق اتصل بي وقتها (منذ ثلاث سنوات) يسألني عن الموضوع ذاته .... التوحد
الطفلي، وكان الأمر بشأن ابن اخته الذي يعيش في لندن ويعتقد الأطباء هناك أنه
مصاب به. الاقتراح ــ أيضاً ــ أعاد إلى ذاكرتي أصداءً لضجة إعلامية بدأت
منذ أربع في الولايات المتحدة الأمريكية عنوانها (التوحد الطفلي واللقاحات).
هذه الأمور كلها جعلتني أشعر أن من الملائم ــ بل والضروري ــ تعريف القراء
بهذا المرض الذي لم يسمع به معظم الناس! اقتراح الزميلة الفاضلة علّمني شيئاً
كان غائباً عن بالي في حقيقة الأمر. وهو أن الأمراض النادرة أيضاً تستحق بين
الآونة والأخرى حزماً من الضوء تلقى عليها وتعرّف الناس بها. وتقول لي: لقد
شت بك الحديث كثيراً بين الاقتراح والاستشارة والضجيج. عد بنا إلى حديثنا
الأصلي وأجبني: ما هو التوحد الطفلي؟!
التوحد الطفلي
وأحاول أن أجيبك
ببساطة. إن الطفل المصاب بالتوحد تكون لديه اضطرابات في التطوّر والتواصل
الاجتماعي (مع العائلة والمحيط) . تظهر أعراضه في الأغلبية الساحقة من
الحالات قبل عمر 3 سنوات. حيث يلاحظ الأهل أن الطفل عازف عن المشاركة في
نشاطات العائلة وهو يتجنب الاتصال مع محيطه بحيث يبدو وكأن لديه عالمه الخاص
ومن هنا جاء اسم( التوحد) حيث أن للطفل عالماً خاصاً به (وحده)، لدرجة أنه
يتجنب حتى النظر المباشر في عيون الآخرين. ولما كانت اللغة من أهم وسائل
الاتصال مع المحيط، فإن معظم الأطفال المصابين بالتوحد يكون لديهم قصور لغوي.
هذا المرض هو أشيع بثلاث مرات في الذكور منه في الإناث. ولكن الإناث المصابات
تكون شدة الإصابة لديهن أعلى من الذكور. إن تعريف التوحد غامض وبالتالي فإن
تشخيصه صعب وهو يعتمد على أخذ تاريخ تطوري مركز يتم فيه تناول نماذج سلوك
الطفل والبحث عن أشكال السلوك التي تميّز التوحد. ومن بين هذه النماذج ما
ندعوه (السلوك التكراري) حيث أن الطفل يتبع (طقوساً) معينة يتخذه روتيناً
يحكم حياته. فهو قد يحب أن ينام بطريقة معينة أو يجلس بطريقة معينة يتمسك بها
ولايغيرها كما أنه قد يرتبط (بطريقة قد تبدو عاطفية) بأشياء معينة كلعبة أو
قلم أو كأس أو أي شيء آخر. ويلاحظ تمسك الطفل بهذه الأشياء لدرجة أنه يصعب
فصله عنها. والطفل المصاب بالتوحد يقاوم التغيير. إن هذه الخصائص المذكورة
إنما هي خصائص عامة وفي واقع الأمر فإن كل طفل مصاب بهذا الاضطراب يبدي
أعراضاً تميزه هو بالذات مما يجعل تشخيص هذا المرض أمراً عسيراً يحتاج إلى
عمل مشترك بين الأهل (أوّلاً) وطبيب الأطفال وطبيب الأمراض النفسية وربما
مجموعة مختصين آخرين. والتوحد ينتمي إلى مجموعة من الأمراض تسمى (اضطرابات
التطور الشاملة). وفي 75% من الحالات يترافق هذا المرض بنقص الإمكانيات
العقلية (أي أن الذكاء قد يكون طبيعياً في 25% من الحالات وهذا أمر حسن).
ومما يزيد الأمر تعقيداً أن هذا الاضطراب قد يترافق مع مشاكل صحية و نفسية
أخرى كالصرع (وهو يحصل في ثلث الحالات) و اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه
إضافة إلى الاكتئاب (وهذا الأخير يحصل عند المصابين الذين يكون ذكاؤهم
عادياً).
البحث عن الأسباب
وتسألني: هل هنالك
أسباب واضحة يمكن تجنبها لما تدعوه بالتوحد الطفلي؟ وأقول لك: إن معظم حالات
التوحد هي في الحقيقة مجهولة السبب. كل ما يمكن أن نذكره هنا هو (إشارات) غير
مؤكدة أظهرتها بعض البحوث التي أشارت إلى (علاقات محتملة) بين التوحد وإصابة
الأم أثناء الحمل بالحصبة الألمانية إضافة إلى الشذوذات الصبغية (كمتلازمة
داون) وهنالك أيضاً ذكر لما يدعى بالتشنج الرضيعي والتهاب الدماغ بفيروس
العقبول البسيط. هذه كلها كما ذكرنا (إشارات) ولكن الحقيقة أن السبب الحقيقي
مجهول في الغالبية العظمى من الحالات. والنظرية الأكثر قبولاً في الوقت
الحاضر هو أن التوحد هو مرض (جيني) أي مرتبط بمورثات الطفل وهو يحصل في
الأسابيع الأولى للحمل. ولا يزال العلم يعمل دائباً للحصول على أجوبة أكثر
وضوحاً.
اللقاحات بريئة
وتقول لي من جديد:
وما هي قضية ما دعوته (الضجيج الصحفي) وعلاقة هذا المرض باللقاحات. وجوابي لك
هو أنه قد حصل بالفعل ضجيج صحفي بعد مقال نشر في مجلة (لانست) الطبية الشهيرة
في عام 1998 أشار كاتبه إلى (علاقة محتملة) ــ أيضاً! ــ بين إعطاء لقاح
الحصبة وبين حصول التوحد. والمقال قد أحدث عاصفة تلته من مقالات مشابهة ولكن
بعد أن هدأت العاصفة تبيّن أن البحوث الرصينة (والمنظمة) والتي حصل بعضها
بإشراف فدرالي، لم تثبت أية علاقة مؤكدة بين التوحد وأي من أشكال اللقاحات.
إضافة إلى ذلك فإن رئيس تحرير (لانست) نشر وفي نفس العدد المذكور آنفاً أن
الدراسة المنشورة في مجلته تفتقر إلى المصداقية العلمية الكاملة.
العلاج وفسحة الأمل
وربما كان سؤالك
الأخير واضحاً: هل يشفى التوحد؟ وهل له من علاج؟ وأقول لك: لا شك أن التوحد
الطفلي هو مشكلة صعبة. ولكن الطب ــ في السنوات الأخيرة ــ قد قطع أشواطاً
بعيدة في معالجة وتدبير أمراض معقدة كانت تعتبر في الماضي غير قابلة للعلاج
ومن بينها التوحد. والقاعدة الذهبية التي أحب الإشارة إليها في هذا النوع من
المشاكل هي: ما لا يدرك كله لا يترك جله. صحيح أنه ليس هنالك للتوحد دواء
سحري يتناوله المريض فيتخلّص من المرض نهائياً ولكن عملاً مشتركاً يساهم فيه
أطباء من اختصاصات مختلفة ويساهم فيه الأهل من شأنه أن يحسن وضع المريض بشكل
كبير جداً. ومن المهم التركيز ــ في علاج هذه المشكلة ــ على عدة نقاط.
أوّلها الانتباه المبكر لأعراضه، فكلما كان التشخيص مبكراً كلما كانت
العلاجات مفيدة. وأما النقاط الأخرى فهي حقيقة وجود عدة أدوية وأساليب يمكن
استخدامها لعلاج المرض فهنالك ما يدعى (الأدوية النفسية) التي يمكن استخدامها
لعلاج (التهيّج) و (الحركات التكرارية) التي قد يصاب بها المرضى. وهنالك
أيضاً آليات معالجة الكلام التي يقوم بها أخصائيون يستطيعون بالجهد المتواصل
تحسين الإمكانيات اللغوية (وبالتالي الاتصال لدى الطفل) بشكل ملحوظ. ولدينا
التمرين الحركي الذي يحسن مهارات الطفل الفيزيائية. هذه العلاجات تجعل المرض
أقل وطأة على المريض والأهل في آنٍ معاً ومن أهم نتائجها تحسين التطور لدى
المريض. كما أن هنالك جمعيات متعددة في الولايات المتحدة الأمريكية وفي
العالم تساعد الأهل بشتى الوسائل على التعامل مع هذه المشكلة من أهمها
الجمعية الأمريكية للتوحد في مدينة (بثسدا) في ولاية ماريلاند.
شكراً!!
وتقول لي: شكراً
لتناولك لهذا الموضوع فلم أكن أعلم عنه في الواقع أي شيء حتى قرأت هذا
المقال. وأقول لك: إن الذي يستحق الشكر هو أم كريمة تفضلت باقتراحها وذكّرنا
ذلك الاقتراح باستشارة قديمة وضجيج صحفي!
.
|