|
استنساخ
الأجنة
فتح
علمي أم كارثة أخلاقية؟
عندما أعلن في عام
1997 عن استنساخ النعجة دولي قامت الدنيا و قعدت. و بدأ الحبر الأزرق يسيل
على الورق الأبيض. كتبٌ كثيرة صدرت وقعها علماء الطب وعلماء الدين و علماء
الأخلاق. بين مؤيّد و معارض. و بين من يصفق تشجيعاً و من يصرخ اعتراضاً. و
كان القاسم المشترك الأعظم بين هذا اللغط كله هو الخوف من الكابوس! هل سيقوم
العقل البشري بالاجتراء و نقل اللعبة إلى ملعب الجسم البشري؟!
و كانت السنوات التي
مضت قليلة و نقلت الخبر وكالات الأنباء في كل العالم. ففي 25 تشرين الثاني من
عام 2001 وصل القطار حاملاً معه الكابوس الذي أقلق منام الجميع . و أعلن عن
نجاح أطباء و علماء خلايا أمريكيين في استنساخ أول جنين بشري في جهود رعتها
شركة "التقنية الخلوية المتقدمة" من مدينة ورسستر بولاية ماساتشوستس. و قامت
الدنيا.... و لكنها لم تقعد هذه المرة . و وصل الأمر إلى أعلى المستويات
السياسية في العالم. و أصدرت الإدارة الأمريكية بياناً أعلنت فيه معارضتها
المطلقة لهذا الأمر، كما أن الرئيس الأمريكي أعلن تأييده لقانون(ربما يكون قد
صدر فعلاً مع نشر هذا المقال) يعتبر استنساخ الأجنة أمراً غير قانوني. و
بدأت التساؤلات و بدأ اللغط يعلو من جديد. هل هذا خلق؟ هل هو إبداع؟ هل هو
اجتراء؟ أليس من حق العقل البشري أن يحلق في سماء الإبداع و لماذا نريد أن
نقص أجنحته الحالمة؟
استنساخ
الأجنة .... مبسّطاً
إن استنساخ الأجنة ما
يزال في بدايات البدايات أي أنه لم ينجح نجاحاً تاماً و هو ببساطة عبارة عن
إخصاب البويضة بواسطة خلية جسدية (و ليس بواسطة النطفة) ثم تعريض هذا المركب
إلى شرارة كهربية تبدأ الانقسام و الهدف هو الحصول على كائن بشري في النهاية
و بنفس الطريقة التي تم بواسطتها استنساخ النعجة دولي و الحيوانات الأخرى
كالفئران و غيرها.
لا أيها
السادة!
بادئ ذي بدء نقول إن
هذا الذي حصل ليس خلقاً و ما ينبغي له أن يكون . و لنبدأ أولاً بسؤال بسيط
منطقي..... ما هو الخلق؟ إن أبسط تعاريف الخلق هو أنه "الإتيان بشيء جديد على
غير مثل سابق" فأين هو الشيء الجديد هنا و المثل السابق توجد منه خمسة
مليارات تمشي على سطح الكرة الأرضية؟ و أين الخلق الجديد و المادة الوراثية
مستعارة و دورق نموها ( جدار البويضة البشرية ) مستعار أيضاً و نموها و
طريقته و تسلسله كلها مستعارة؟ الخلق هو لله تعالى وحده فقط هذا أمرٌ لا مراء
فيه و لا شك. و لكن الخوف يأتي فقط من أن تختلط المفاهيم عند بعض الناس. و
يطل علينا قول لعالم قديم ينطبق انطباقاً تاماً في حالتنا هذه: " العلم الذي
عندنا مستعار ، و هو عرضةٌ للزوال، فنحن الجاهلون على الدوام" . إن هذا ليس
استهانةً على الإطلاق بالعقل البشري و لكنه تذكرة و اعتراف بأن العقل البشري
الذي أصبح بحراً واسع الحدود لا يزال ،كأي بحر، ذا إطار محدود.
و نحن هنا لا نتكلم
من وجهة النظر الدينية، فذلك المجال له علماء أجلاء يستطيعون إيضاح الأمر و
إعطاءه حقه و لكننا نتكلم ببساطة من وجهة نظر المنطق و العقل.
عندما
يقدم العقل البشري أوراق اعتماده!
و لا بد لنا هنا من
مناقشة سؤال طرحه الكثيرون: " هل يجب أن نسمح لأنفسنا أن نحدد انطلاق العقل
البشري؟" و قبل أن نجيب على هذا السؤال لا بد لنا من أن "نقلّب" أوراق
اعتماد العقل البشري و نقول إن القنبلة الذرية لم تخترعها كائنات مستوردة من
كواكب أخرى ، و القنبلة الهيدروجينية و الأسلحة الكيماوية و البيولوجية لم
يبتكرها كمبيوتر أو إنسان آلي..... إنها من إنتاج العقل البشري الذي نتحدث
عنه اليوم. و العلاقة بين هذا و ذاك هي أن هذه هي منتجات العقل البشري عندما
يلقى له الحبل على الغارب. و العقل البشري بأوراق اعتماد كهذه يصعب أن يحصل
على وظيفة واعظ في مملكة الأخلاق الحميدة! فمن يضمن لنا ما يمكن أن يؤدي
إليه أمر كهذا في المستقبل؟ إن تجارب الاستنساخ التي أجريت حتى الآن بينت أن
الحيوانات المستنسخة تعاني من مشاكل صحية و خلقية كثيرة فهل هنالك ضمانات ألا
يؤدي هذا الأمر إلى إنتاج مسوخ بشرية؟ و إذا حصل هذا الأمر فما هو مصير هذه
المسوخ؟ هل نشكّل لها لجان إتلاف و نتخلص منها كما تفعل معامل اللحوم
بمنتجاتها التي لا تصلح للاستخدام؟ و هل تحول الجسم البشري إلى سلعة تنتجها
معامل استهلاكية ؟
مبررات
لقد ذكرت مبررات
كثيرة للاستنساخ، أهمها العذر العتيد و هو أنه سيؤدي إلى حل مشاكل كثيرة من
خلال إنتاج أعضاء طبيعية لمرضى يحتاجونها كالكلية و القلب و الأطراف. و لكن
هذا المبرر مردود حيث توجد هنالك مشاريع لإنتاج هذه الأعضاء من خلال زرع
المادة الوراثية للإنسان في حيوانات معينة و هذا كفيل بحل بعض المشاكل الصحية
دون أن ندخل في تيه أخلاقي لسنا متأكدين من أننا نستطيع الخروج منه.
القطة
السوداء!
إن إبداع العقل
البشري أمر لا ينكره أحد. و هذا الإبداع هو الذي أنتج المبتكرات و المخترعات
التي جعلت حياتنا اليوم أفضل و حلت الكثير من المشاكل الصحية و التقنية و
الاقتصادية. هذا الإبداع لا يمكن لأحد أن يعارضه. و لكننا نعارض الشطط و
الانفلات لأسباب لا تخفى على أحد. إن العقل البشري لا بد له من إطار أخلاقي
يعمل ضمنه و إلا أصبح هذا العقل كرجل أعمى في غرفة مظلمة يبحث عن قطة سوداء
غير موجودة!
ً
|