موقع الدكتور باسل الخطيب لطب الأطفال

Dr.Basel Khatib's Pediatric Web Site

روابط صور نادي الأطفال أسئلة شائعة وجّه سؤالاً راديو تلفزيون صحافة المقالات الرئيسة
Migraine

 

ما هو الداء السكري؟

الحلقة الأولى

 

منذ أشهر طويلة نشرنا في (الحدث) مقالاً بعنوان (الداء السكري ... قصة المرض الذي اكتشفه النمل). ومنذ ذلك الحين تلقيت تعليقات عديدة على هذا المقال. وكانت هذه التعليقات الإيجابية مترافقة بشكل مستمر مع طلب يتلخّص في أن المقال شرح (تاريخ) هذا المرض الهام، ولكن من المهم أيضاً ــ في رأي من قدموا لنا تعليقاتهم من القراء ــ أن تتم كتابة مقال يتحدث عن المرض نفسه، أسبابه وعلاجه ومضاعفاته وما إلى ذلك.

وكان جوابي على هذه التعليقات دائماً أن لديّ نيّة لنشر مقال متعلّق بالموضوع، وأن أصحاب هذا الاقتراح محقون تماماً. وكانت المواضيع تتدافع ونكتب عنها المقالات وننشرها، ثم تأتي مناسبات لا بد فيها من نشر مقال من نوع معيّن كمقالنا عن داء (سارز) ومقال (جنون البقر) المنشور في العدد الماضي. وكان أهم ما يؤخر نشر مقال متعلّق بالداء السكري هو أن هذا الموضوع واسع جداً يصعب حصره في مقال مكوّن من صفحة واحدة. وأنا عادة  أحاول ألاّ أجزئ الموضوع فأنشره على حلقتين، مما أدى لديّ إلى بعض التردد. ومنذ حوالي أسبوعين زارتني في عيادتي سيدة كريمة أحضرت إليّ طفلها. وأعادت هذا الاقتراح الذي سمعته كثيراً من أهالي المرضى. وكان ما فعلته هو أن ألزمت نفسي بموعد معيّن، لعلمي أن الالتزام سيجعلني أنشر الموضوع في وقته، وكان رأيي الذي عزمت عليه حينها هو أنه لا بد مما ليس منه بدّ. فإذا كان لا بد من نشر الموضوع في حلقتين فليكن!  قلت لها: في العدد القادم (منتصف كانون الثاني) سننشر مقالاً عن جنون البقر لأنه موضوع ملح جداً الآن، وأعدك أن يكون المقال التالي (أول شباط)  بإذن الله عن موضوع الداء السكري. وهأنذا أفي بوعدي لتلك السيدة الكريمة ولجميع من اقترح هذا الأمر. وهذا المقال يهدف للإجابة عن سؤال كبير كبير..... ما هو الداء السكري؟

 

تفريق لا بد منه

عندما نتحدّث عن الداء السكري فلا بد من التفريق بين نوعين منه. النوع الأوّل هو السكري من النموذج(1) والنوع الثاني هو السكري من النموذج(2). إن 90% من المصابين بالداء السكري في العالم يعانون من النموذج(2) وما تبقى يعانون من النموذج(1). ومن المعروف أن الداء السكري لدى الأطفال يكون في معظمه من النموذج (1). ولكن هنالك حالات كثيرة الآن تشخص لدى الأطفال من النموذج(2). وفي الماضي كان النموذج(1) يدعى السكري الشبابي والنموذج(2) يدعى نموذج البالغين. ولكن هذه التسمية ليست علمية إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الأطفال قد يصابون أيضاً بالنموذج (2). وسنحاول في هذا المقال بجزئيه أن نلقي الضوء على الداء السكري على العموم  نبدأ أوّلاً بالنموذج(2) لشيوعه الكبير ثم نتكلّم عن النموذج(1) في الحلقة الثانية من المقال. ولا بد من أن نذكر هنا أنواعاً من الداء السكري لن نتطرّق إليها كالسكري الثانوي والسكري الحملي.  

 

السكري من النموذج (2)

 

إن السكري من النموذج(2) هو داء مزمن لا تستطيع فيه غدة (البنكرياس) أن تفرز كميات كافية من هرمون الإنسولين المسؤول عن استقلاب السكر في الجسم أو أن خلايا الجسم تصبح مقاومة لهذا الهرمون. إن الإنسولين يسهل دخول السكر (الغلوكوز) إلى الخلية، وهناك يتم استخدام هذا السكر كمصدر رئيس للطاقة. كما أن الهرمون يساعد على خزن السكر في العضلات والشحم وخلايا الكبد. وهذا السكر المخزون يتم استخدامه كمصدر للطاقة حين الحاجة. وفي حال نقص الإنسولين أو وجود مقاومة له، فإن مستوى السكر (الغلوكوز) في الجسم يرتفع إلى مستوى عالٍ وضار. وفي حالة النموذج(2) فإن ارتفاع السكر يكون تدريجياً وقد يأخذ الأمر سنوات قبل أن يصل مستواه إلى المستوى الضار. وإذا بقي مستوى السكر عالياً لسنوات طويلة فإن هذا سيؤدي إلى أذية في الأوعية الدموية والأعصاب مما يؤدي إلى خطر الإصابة بأذية عينية (شبكية خصوصاً) وقلبية وكلوية. ويمكن لهذا المرض أن يحصل في أي عمر، وإن كان غالباً ما يحصل في الكبار كما ذكرنا. ولما كان من الممكن علاج هذا المرض بأدوية أخرى غير الإنسولين فربما يطلق عليه أحياناً (الداء السكري غير المعتمد على الإنسولين). ولربما اعتقد بعض الناس خطأ ً أن الداء السكري من النموذج(2) هو شكل خفيف من الداء السكري. ولكن هذا غير صحيح بطبيعة الحال فإن جميع التأثيرات والمضاعفات الناجمة عن النموذج (1) يمكن أن تنجم عن النموذج(2) أيضاً. أما السبب في النموذج(2) فهو مقاومة الخلايا لهرمون الإنسولين مما يدعو البنكرياس لزيادة إفرازه منه. كما أن الكبد يقوم بتحرير كميات إضافية من الغلوكوز ليتم استخدامه من قبل الخلية. ومع تقدم الأيام يفقد البنكرياس قدرته تدريجياً على إفراز الإنسولين الكافي كما تتزايد مقاومة النسج للإنسولين مما يؤدي لحصول الداء السكري من النموذج (2).

 

 

ما هي أعراض النموذج(2)؟

    إن أهم أعراض هذا المرض هي العطش الزائد وزيادة عدد مرات التبوّل وزيادة الجوع ونقص وزن غير طبيعي وتعب مفرط وتهيّج. وربما كانت هذه الأعراض خفيفة بحيث يكون المرض موجوداً لدى الإنسان لسنوات دون أن يشعر بوجوده ودون أن يتم تشخيصه. وربما تم كشف المرض خلال الفحوص الدورية أو خلال المعاينة من أجل مرض آخر كارتفاع التوتر الشرياني، أو الأنتانات المتكررة أو بطء شفاء الجروح. لأن هذه الأمراض والأعراض تترافق أيضاً مع هذا الداء. وفي بعض الأحيان لا يتم اكتشاف المرض قبل ظهور مضاعفاته كالمشاكل البصرية والعصبية والكلوية. علماً بأن هذا المرض شائع جداً في الولايات المتحدة الأمريكية ويقدر عدد المصابين به بـ 16 مليون مريض.

 

عوامل الخطر

إن السؤال المهم والذي يطرح كثيراً هو عن العوامل التي تجعل الإنسان على خطر للإصابة بهذا الداء. وكما ذكرنا فإن أحد العوامل هو العمر حيث أن هذا الشكل من المرض أشيع في الكبار منه في الصغار. ولكن بعض الأطفال يصابون به أيضاً مما يجعل العمر أحد العوامل فقط. والعوامل الأخرى تشمل السمنة ونقص التمارين والنشاط الفيزيائي. ويضاف إلى ذلك أن هنالك أناساً تكون لديهم مستويات السكر في مرحلة ندعوها (قبل سكرية) أي أنها على الحدود، وهؤلاء معرّضون للإصابة بالداء السكري في مرحلة ما من حياتهم. ومما يزيد الخطر وجود أحد أقرباء الدرجة الأولى المصابين بهذا المرض كالأب والأم والأخ والأخت. ويزيد حصول المرض لدى الزنوج واللاتينيين والهنود الحمر. وكذلك فإن اللاتي يصبن بالداء السكري الحملي لديهن خطر للإصابة بالنموذج (2) من هذا المرض. ويزيد احتمال حصول المرض في حال وجود ارتفاع الكولسترول وارتفاع الضغط الشرياني.

 

هل ثمة من وقاية؟

 

إن الذين لديهم عوامل الخطر التي ذكرناها آنفاً يمكن أن يمنعوا (أو يؤخروا) حصول المرض لديهم من خلال ممارسة التمارين الرياضية، وتناول غذاء متوازن يقوم بتوزيع النشويات (الكربوهيدرات) في الغذاء على مدار اليوم. كما أن إنقاص الوزن بالحمية الملائمة يلعب دوراً في هذا لأنه ينقص مقاومة الخلايا للإنسولين ويجعل الجسم يستخدم الإنسولين بفعالية أكبر. ويساعد في هذا أيضاً ترك التدخين ومعالجة ارتفاع الضغط الدموي.

 

كيف يعالج النموذج(2)

إن أحد أهم وسائل المعالجة هو إنقاص الوزن واتباع حمية غذائية تقوم بتوزيع كميات من الكربوهيدرات على مدار اليوم وممارسة التمارين وقياس مستوى السكر (الغلوكوز) في الدم بشكل منتظم، وفي حال عدم كفاية هذه الوسائل لخفض سكر الدم يلجأ الطبيب إلى إعطاء بعض الأدوية الفموية. إن أحد أهم الفروق بين النموذج(2) والنموذج(1) هو إمكانية استخدام الأدوية الفموية في (2) وهي تزيد من إفراز الإنسولين من البنكرياس، كما أن بعضها ينقص من مقاومة الخلايا للإنسولين ويقوم بإدخال الغلوكوز إلى داخل الخلية. إن تطوّر المعالجات ووسائل الاختبار جعل السيطرة على هذا المرض أفضل بكثير من السابق، وبالتالي فإن المصابين بهذا الداء يمكن أن يعيشوا حياة ً مديدة سعيدة وأن يتمتعوا بصحة جيدة طالما أنهم يتبعون نصائح الطبيب من حيث الحمية والتمارين وأخذ الأدوية الملائمة. 

الحلقة القادمة

لقد قمنا في هذا الجزء من المقال بتغطية النموذج (2) من الداء السكري وسنقوم في العدد القادم بإذن الله بالحديث عن النموذج(1) لتغطية بقية هذا الموضوع ذي الأهمية البالغة

 

 ً