|
ما هو الداء السكري؟
الحلقة الثانية
قمنا في العدد الماضي بنشر الحلقة الأولى من هذا
المقال. وقد تحدثنا في مقدمتها عن الداء السكري بشكل عام ثم فصّلنا في
النموذج (2) منه، وذكرنا أن معظم حالات الداء السكري في العالم تنتمي إلى
النموذج (2)، وذكرنا أيضاً أن النموذج (1) هو أشيع في الصغار والشباب منه في
الكبار. ونحاول اليوم ــ حتى تكتمل الصورة ــ أن نعطي فكرة مفصلة عن السكري
من النموذج (1).
ما هو السكري من النموذج (1)؟
إن هذا النوع من الداء السكري هو داء مزمن، يستمر مدى
الحياة، وهو يحصل عندما تتوقف غدة البنكرياس عن إفراز هرمون الإنسولين. وهذا
الهرمون ــ كما ذكرنا في العدد الماضي ــ هو الذي يضطلع بوظيفة تسهيل إدخال
الغلوكوز (السكر) إلى الخلية الجسمية حيث يتم استخدامه لإنتاج الطاقة. وعندما
ينعدم الإنسولين في الجسم فإن السكر يظل في الدم وترتفع مستوياته فيه فوق
المستويات الطبيعية وتصل إلى الدرجة الضارة. فإذا وصل السكرالدموي إلى
مستويات عالية جداً حصل ما يسمى (الحماض الكيتوني السكري). وفي هذه الحالة
الخطرة تتراكم مادة الكيتون في الجسم ويحصل ما يدعى بالحماض الناجم عن
تراكمها وهذا الأمر له مضاعفات عديدة جداً قد تكون قاتلة إذا لم يتم إسعاف
المريض وقبوله إلى المستشفى. وكما ذكرنا في حلقتنا السابقة، فإن استمرار
ارتفاع السكر في الدم لفترة طويلة يؤدي إلى تأذي الأوعية الدموية والأعصاب في
كامل أنحاء الجسم مما يؤدي إلى مضاعفات عينية وكلوية ووعائية وعصبية وغير
ذلك. إن الداء السكري من النموذج(1) يمكن أن يحصل في أي عمر ولكنه أشيع في
الأطفال والشبان، وهذا هو السبب في أنه كان يدعى (الداء السكري الشبابي) وهي
تسمية غير علمية توقف الأطباء والمؤلفون عن استخدمها اليوم. وربما كان من
الأفضل أن ندعوه (الداء السكري المعتمد على الإنسولين) وذلك لأن مستويات
الإنسولين تكون معدومة فيه تماماً مما يجعل المريض معتمداً على الجرعات
الإنسولينية الدوائية، بعكس النموذج(2) الذي يمكن في البداية معالجته بالحمية
ثم بالأدوية الرافعة للإنسولين وإن كان في كثير من الأحيان يصبح معتمداً على
الإنسولين في النهاية.
ما هي الأسباب؟
إن السبب المتعارف عليه بين العلماء لهذا المرض هو
السبب المناعي الذاتي. ومعنى ذلك أن الجسم يتعامل مع بعض خلاياه على أنها
خلايا غريبة. مما يحدو به إلى الإيعاز إلى جهازه المناعي لتحطيم هذه الخلايا.
وفي هذا المرض فإن الخلايا الضحية تكون الخلايا المفرزة للإنسولين في
البنكرياس (وهي تدعى الخلايا بيتا) وينعدم بالتالي إفراز الإنسولين مما يؤدي
إلى حصول الداء السكري بكامل صورته المعروفة. أما سبب حصول هذا التفاعل
المناعي الذاتي فأمر مجهول ويحتاج إلى دراسات إضافية لإيضاحه. ولكن من
المعروف أن بعض الناس يحملون في مورثاتهم القابلية لحصول هذا المرض.ومن
الجدير بالذكر أنه حتى في أولئك المستعدين وراثياً للمرض فإن الداء لا يحصل
إلا بوجود عوامل بيئية معينة كالتعرض لأنواع معينة من الفيروسات.
أعراض المرض
إن أعراض الداء السكري تتشابه في النموذجين (1) و(2).
ومنها السهاف(أي العطش الزائد) وتكرار التبوّل ونقص الوزن وربما زيادة
الشهية. وفي النموذج(1) فإن هذا الأعراض قد تتطوّر بسرعة خلال أيام قليلة إلى
أسابيع. وليس من غير الشائع أن يعاني المريض في البداية من أعراض داء فيروسي
بسيط كالإنفلونزا وغيرها ويظن المريض وأهله أن الأعراض التي يعاني منها ناجمة
عن هذا الفيروس فلا يطلب المعالجة من طبيبه. وربما أصبحت مستويات السكر لهذا
السبب عالية جداً وهذا الأمر تنجم عنه أعراض معينة منها جفاف الجلد وارتفاع
حرارته واحمراره، ونقص الشهية والإقياء والألم البطني وربما حصل تسرع للتنفس
مع رائحة نـَفـَس خاصة تشبه رائحة الفاكهة. وقد يتطوّر الأمر في حالاته
الشديدة إلى الانزعاج ثم النعاس ثم الاضطراب وربما السبات. وفي تلك الحالات
يصبح الأمر إسعافياً. ويقتضي قبول المريض إلى المستشفى لعدة أيام لمعالجة هذا
الارتفاع الشديد في السكر ووضع المريض على نظام علاجي ثابت يجنبه حصول هذا
الارتفاع في المستقبل.
عوامل الخطر
إن هنالك عوامل وراثية ظاهرة في الداء السكري من
النموذج(1) كما ذكرنا أعلاه. فوجود أقرباء من الدرجة الأولى كالأب والأم
والاخ والأخت ... مصابين بهذا المرض يرفع نسبة حصوله لدى الإنسان. ولكن من
المعروف أن معظم الناس المصابين بهذا المرض ليس لديهم أقارب مصابين. ومن
العوامل الأخرى التي تزيد الخطر وجود ما يدعى (أضداد الخلايا بيتا) أو (خلايا
جزر لانغرهانس) في الدم. ويأتي هذا الاسم من كون الخلايا المفرزة للإنسولين
تتجمع في البنكرياس على شكل (جُـزُر) تسمى (جزر لانغرهانس). إن وجود هذه
الأضداد في الدم يعني أن هذا الخلايا المتجمعة في جزر بنكرياسية هي معرضة
للتحطم في أي وقت وأن هذا المريض معرّض للإصابة بالداء بالتالي في أي وقت.
وهنالك جدل معيّن حول دور أنواع خاصة من الفيروسات في حصول الداء، حيث توجد
فيروسات تسمى (الفيروسات المعوية) ولا سيما ذلك المدعو (فيروس كوكساكي ب) وقد
تحدثت بعض الأبحاث عن دورها في حصول المرض. كذلك فإن من الآراء العلمية ذات
الأرضية المقبولة هو أن إرضاع الطفل من قبل الأم لأكثر من ثلاثة أشهر بعد
الولادة ينقص احتمال الإصابة بهذا المرض. وبطبيعة الحال، فإن الأمر عندما
يتعلّق بمرض مثير للجدل كالداء السكري من النموذج(1) فإن هنالك مجالاً كبيراً
للفرضيات والنظريات التي لا نذكرها هنا لحاجتها لمزيد من الأبحاث والأدلة
العلمية.
هل من وقاية؟
في الوقت الحالي لا توجد طريقة للوقاية من الداء
السكري من النموذج(1). ولكن الوقاية تتركز على منع المضاعفات بعد حصول المرض.
والأمر الأهم هو المواظبة على أخذ حقن الإنسولين بالشكل الذي يصفه الطبيب مع
متابعة مستوى السكر بالدم بشكل منتظم ، ذلك أن التحكم الجيد بمستويات السكر
في الدم يؤخر أذية الأوعية و يؤخر بالتالي حصول الأذية العصبية والكلوية
والقلبية والعينية وغير ذلك.
المعالجة
إن معالجة الداء السكري من النموذج(1) تركز على
المحافظة على مستوى طبيعي من السكر في الدم. وتتضمن المعالجة اتباع حمية
ملائمة يضعها الطبيب لمريضه تعتمد على توزيع كميات الكربوهيدرات (النشويات)
بشكل جيد على مدار اليوم ثم أخذ حقن الإنسولين بانتظام وبالجرعات المناسبة،
ومراقبة سكر الدم مع ممارسة التمارين بشكل منتظم. ويتم إجراء تعديلات على
المعالجة وعلى الجرعات الدوائية ــ زيادة ونقصاً ــ تبعاً للنتائج التي يتم
الحصول عليها ويقوم الطبيب بإجراء هذه التعديلات. وفي حالات خاصة فقد يقوم
بعض الاطباء بزرع الخلايا (بيتا) التي تنتج الإنسولين، وهذا ما يدعوه البعض
زرع البنكرياس. وهذا النوع من العمليات يتم في بعض مراكز البحوث الخاصة، وهي
تحتاج لمتابعة معينة مع تناول أدوية لمنع رفض هذا العضو من قبل الجسم. ويرى
بعض العلماء في هذا النوع من الجراحات أملاً مستقبلياً للقضاء على الداء
السكري بحيث تغني هذه الجراحة عن حقن الإنسولين المتكررة. ولكن الواقع يقول
إن هنالك سنوات طويلة قبل أن يصبح الأمر بهذه البساطة.
الأمل دائماً
إن المصابين بالداء السكري من النموذج(1) يمكن أن
يعيشوا حياة طويلة سعيدة ويتمتعوا بصحة جيدة في حال التحكم الملائم بمستوى
السكر في الدم. إن المشاركة الصحيحة بين المعالجة الدوائية والحمية الملائمة
والتمارين المناسبة تعطي نتائج ممتازة جداً وتجعل حياة المريض أقرب ما تكون
إلى الحياة الطبيعية.وكما هو الحال في جميع الأمراض المزمنة فإن الإرادة
القوية والعزيمة والإصرار واتباع التوصيات الطبية يؤدي إلى تحسن مستوى الحياة
والحصول على أفضل النتائج. وكثيراً ما نسأل من قبل أهالي مرضانا عن
وجود علاج حاسم ينهي هذا المرض ويؤدي إلى عدم الحاجة لحقن الإنسولين.
وكجوابنا على أي سؤال يتعلق بداء مزمن طويل الأمد ... نقول لهم: إن الأبحاث
مستمرة والجهود العلمية متواصلة و الأمل بالله موجود دائما
|