موقع الدكتور باسل الخطيب لطب الأطفال

Dr.Basel Khatib's Pediatric Web Site

روابط صور نادي الأطفال أسئلة شائعة وجّه سؤالاً راديو تلفزيون صحافة المقالات الرئيسة
Migraine

 

أحلام الفتى الطائر!!

 

 

أخبرتني الممرضات في المستشفى بولادة طفل جديد. وذهبت كعادتي في كل صباح في زيارة إلى المستشفى لأقوم بمعاينة الوليد والتأكد من أن صحته على ما يرام. عندما دخلت غرفة الأم وجدتها سعيدة باسمة.

 

 قالت لي: شكراً لك على قدومك في هذه الساعة من الصباح لمعاينة طفلي (هادي).

 

 قلت: هذه سعادتي. (هادي) اسم جميل، ما هو السر في اختيارك لهذا الاسم بالذات؟

 

 قالت: أوّلاً أنا أحب هذا الاسم منذ أن كنت طفلة، وثانياً لأنني أريده أن يكون طفلاً هادئاً، ورجلاً هادئاً وهادياً إلى طريق الخير! يضاف إلى ذلك أن الطيران يحتاج إلى هدوء أعصاب.

 

 قلت: الطيران؟!

 

 قالت: نعم أنا أحب أن يكون طفلي طياراً مدنياً ينقل الناس من بلد إلى بلد ومن قارة إلى أخرى بهدوء، وأحب أن يشعر الناس بالأمان عندما يعرفون أن (هادي) هو الذي يقود الطائرة! وتابعت قائلة: هل تعرف قصة (هادي)؟

 

 قلت: وهل له قصة؟

 

 قالت: طبعاً .... (هادي) بالنسبة لي هو ما يمكنك أن تطلق عليه (الطفل الحلم)!

 

 قلت: بطبيعة الحال فإن كل طفل هو حلم بالنسبة لوالديه.

 

 قالت: صحيح!! ولكن قصة ولدي مختلفة. لقد تزوّجت منذ تسعة أعوام. واكتشفنا أنا وزوجي أن لديّ مشكلة تمنعني من الحمل. وحاولنا بشتى الوسائل. لم نترك دواءً يخطر على بال إلا قمنا باستخدامه دون جدوى. ومنذ سنوات سمعنا بطريقة (طفل الأنبوب) فقررنا أن نلجأ إلى طبيب مختص بهذه الطريقة. أنا وزوجي مغرمان بالأطفال، وكان عدم تمكننا من الإنجاب يحز في نفسينا كثيراً. بعد أن قمنا بزيارة الطبيب المختص بطفل الأنبوب علمنا أن هذه الطريقة ليست مضمونة، ومع ذلك قررنا أن نحاول. في المرة الأولى لم يحالفنا النجاح، ولكننا قررنا ألاّ نستسلم. وهكذا قمنا بإعادة المحاولة المرة تلو الأخرى....... وبعد أن قمنا بالمحاولة السابعة قررنا ــ أنا وزوجي ــ أن نعتبرها المرة الأخيرة، فإن نجح الأمر فبها وإن لم ينجح فتلك إرادة الله على كل حال. بعد حوالي أسبوع تلقينا مكالمة من مكتب الطبيب، عندما رفعت السماعة كان بإمكاني وبكل سهولة أن أسمع خفقان قلبي. كان خفقان قلبي يغطي حتى على صوت الممرضة. عندما قالت لي الخبر طلبت منها أن تعيده  مرة أخرى. عندما أعادت الخبر لم أسمع من سائر ما قالته سوى كلمة (مبروك)!

 

هادي

 

قالت لي: هذه هي باختصار قصة (هادي)  الذي تقوم بفحصه الآن. أنت يا دكتور تمسك بين يديك أغلى جوهرة أمتلكها. ولولا ثقتنا بك أنا وزوجي لما اخترناك لتكون طبيبه.

 

 قلت: أشكركما على هذه الثقة وأنا أعتز بها. وأنا سعيد جداً بتكلل جهودكما بالنجاح.

 

أثناء معاينتي للطفل كانت الأم تمطرني بعشرات الأسئلة.

 

 إذا انتهيت من الإصغاء إلى قلبه سألتني فوراً: كيف وجدت قلبه؟

 

 وإذا انتهيت من فحص عينيه، سألتني: هل عيناه سليمتان؟

 

 وإذا نظرت بالمنظار في أذنيه عاجلتني بسؤالها: هل أذناه بخير؟

 

 وبعد انتهاء فحصي للطفل سألتني الأم سؤالها ــ الذي كنت أظنه الأخير ــ : كيف وجدت صحة(هادي) يا دكتور؟

 

 قلت: بخير والحمد لله . قلبه سليم وعضلاته تامة النمو وعيناه صحيحتان وجميلتان أيضاً! قلت للأم بعد ذلك: حسناً سأراك بعد أيام قليلة في العيادة لنجري فحصاً آخر نتأكد فيه تماماً من كون صحة طفلك الجميل على ما يرام.

 

 قالت لي ممازحة: يبدو أنك متفائل جداً وتظن أنك ستذهب الآن!

 

 قلت: وهل لديك أسئلة أخرى؟

 

 قالت: أسئلة أخرى؟! وأخرجت من الدرج المجاور لسريرها ورقة عليها قائمة من الأسئلة!

 

القائمة

 

تابعت الأم قائلة: دكتور ..... أنا أحب أن أعلم كل شيء فيما يخص تطوّر الطفل. متى يجلس، متى يمشي، متى يركض، متى يصعد الدرج، متى يكتمل طوله، أريد أن أعرف كل شيء!

 

 قلت: ألا تجدين من المناسب أن ننتظر قليلاً حتى الزيارة الأولى إلى العيادة على الأقل ثم نقوم عندها بالحديث عن هذه الأمور بالتدريج؟

 

 قالت: بالتدريج؟ هذا بالنسبة للأطفال الآخرين، أما بالنسبة لولدي فالأمر مختلف تماماً. أنا لا أستطيع أن أنتظر.

 

 قلت: حسناً. الطفل على العموم يجلس وحده (مع قليل من الدعم لظهره) بعمر ستة أشهر.

 

 قالت: والمشي؟

 

 قلت: بعمر سنة على العموم وإن كان هذا الأمر قد يتأخر قليلاً حتى عمر أربعة عشر شهراً.

 

 قالت: ومتى يستطيع أن يركض؟

 

 قلت: يركض الطفل بشكل فيه نوع من (التحدد) بعمر ثمانية عشرة شهراً ويركض بارتياح بعمر سنتين.

 

 قالت: ومتى يستطيع أن يتكلّم؟

 

 قلت: بعمر تسعة أشهر يستطيع أن يقول : ماما و دادا.

 

 قالت: لا يمكن أن تعرف مدى اشتياقي لسماع هذه الكلمة منه. هل تتصوّر خفقان قلبي عندما أسمع كلمة (ماما) وهو يناديني بها؟

 

 قلت: لا شك أنه سيكون شعوراً جميلاً.ثم تابعت قائلاً: وفي عمر سنة يمكن للطفل أن يقول كلمتين إضافة إلى ماما ودادا. ثم يتطور الكلام لديه بحيث يصل إلى خمسين كلمة بعمر سنتين، ومئتين وخمسين كلمة بعمر ثلاث سنوات.

 

 قالت: سيكون هذا الأمر رائعاً. سأبدأ من الآن بكتابة الكلمات التي سأعلمه إياها.

 

 قلت: معقول!

 

 سألتني من جديد: وما هو أفضل عمر لإرساله للمدرسة.

 

 قلت: بين سن الخامسة والسادسة.

 

 قالت: وهل تعتقد أنني سأنتظر إلى ذلك العمر؟ لا! سأرسله منذ عمر ثلاث سنوات إلى إحدى رياض الأطفال ليتعلّم بشكل مبكر.

 

 قلت: معقول أيضاً.

 

 قالت: هل بإمكانك أن تتصوّر معي كيف سيكون جميلاً حينما يلبس ملابس المدرسة ويحمل حقيبته على كتفيه وينتظر الحافلة لتقلّه إلى مدرسته؟ أليس ذلك حلماً جميلاً؟

 

 قلت: حلم رائع دون شك!

 

 قالت لي: وسأعلمه أن يمسك حقيبته وأشياءه بيده اليمنى! أليس ذلك أفضل؟

 

 قلت: صحيح.

 

 قالت: ومتى أعرف فيما إذا كانت طفلي من مستخدمي اليد اليمنى أو اليسرى؟

 

 قلت: هذا يتحدد عادةً بين نهاية السنة الثالثة ونهاية السنة الرابعة من العمر.

 

 قالت لي: كأنني أراه وهو يزداد طولاً ووسامة. سيصبح طويلاً كوالده.

 

 قلت: لا شك أن الوراثة تلعب دوراً في طول الطفل المستقبلي وإن كانت هنالك عوامل أخرى.

 

سألتني: ومتى يتوقف الطفل عن النمو من حيث الطول؟

 

 قلت: بالنسبة للذكور يتوقف نمو الطول في عمر 18 سنة، وبالنسبة للإناث يتوقف بعمر 16 سنة. وإن كان الأمر يختلف قليلاً بالنسبة لبعض الأطفال.

 

ويستمر الحلم

 

قالت لي: سأعلّمه أن يضع لنفسه برنامجاً منذ بداية دراسته ليعتاد على الصبر على القراءة والحفظ.  كيف سيدخل كلية الطيران المدني إذا لم يكن من المتفوّقين؟  سأقوم بإرساله إلى أفضل المدارس حتى يحقق مجموعاً عالياً،وبعد أن ينهي دراسته الثانوية سأجعله ينضم إلى مدرسة الطيران المدني. وسيكون طياراً بارعاً يجعل جميع الركاب يشعرون بالأمان. وسيسافر إلى كافة أنحاء العالم، وسأطلب منه أن يأخذني معه في كل رحلة، من حقي أنا أن أرى العالم أيضاً!

 

 قلت ــ وأنا أنظر إلى أطياف المستقبل تتراقص في عينيها فلا أحب أن أفسد عليها حلمها الطويل ــ : طبعاً... طبعاً .... من حقك أن تري جميع العالم.

 

 قالت لي:  ألا تراه ؟ ألا تراه معي يا دكتور؟ انظر إلى بزته الجميلة بلونها الأزرق الداكن وعليها الأوسمة والنياشين. هل تعلم لماذا أعطي هذه النياشين؟

 

 قلت: أية نياشين؟

 

 قالت: هذه النياشين الذهبية....! انظر إليها وهي تلتمع كالذهب! لقد حصل عليها لأنه تفوق على جميع أقرانه في كلية الطيران المدني!

 

 قلت: يا سلام !!! شيءٌ يرفع الرأس حقاً!

 

وقت الرضاعة!

 

في تلك اللحظات دخلت رئيسة الممرضات ووجهت كلامها للأم قائلة: سيدتي! لقد أصبحت الساعة العاشرة صباحاً و حان موعد رضاعة طفلك! هل تحبين أن ترضعيه أنتِ أم هل أطلب من إحدى الممرضات أن تقوم بذلك؟

 

 قالت لها الأم وهي ما تزال تعيش حلمها الجميل: لنؤجل ذلك قليلاً حتى تنتهي الرحلة!

 

 ونظرت إلي الممرضة وقالت: أية رحلة؟!

 

 فأجابتها الأم: أية رحلة؟! الرحلة حول العالم!

 

 وعندما رأيت ملامح الاستغراب على وجه الممرضة، قلت لها: أرجو أن تقومي  أنتِ أو إحدى الممرضات الأخريات بإرضاع الطفل. فالأم الآن في رحلة من نوع خاص. دعيها تحلم... إياكِ أن توقظيها من حلمها الجميل!