موقع الدكتور باسل الخطيب لطب الأطفال

Dr.Basel Khatib's Pediatric Web Site

روابط صور نادي الأطفال أسئلة شائعة وجّه سؤالاً راديو تلفزيون صحافة المقالات الرئيسة
Migraine

 

الصرع  .... أوهام و حقائق

 

 

أقامت مستشفى أوكوود بالتعاون مع الجمعية الأمريكية للصرع  يوم الأربعاء 17-10-2001

مؤتمراً في فندق الهوليدي إن في ديربورن بعنوان " الصرع ... أوهام و حقائق " و كان المؤتمر مخصصاً للجالية العربية. و قد كان لي شرف المشاركة في هذا المؤتمر حيث ألقيت محاضرة حضرها الكثير من  ذوي الأطفال المصابين بالصرع و تبع المحاضرة نقاش دار مع الأهالي المشاركين تضمن أسئلة قيمة طرحها الأهل و حاولت الإجابة عنها و توضيحها. و نظراً لأهمية الموضوع و شيوع المرض في الجالية العربية فقد أحببت أن أقدم مختصراً لهذه المحاضرة و ما دار فيها من حوار. و إذا كان من الصعب أن يحيط مقال مختصر بنقاش دار على مدار ساعتين ، فلا بأس من ذكر أهم النقاط التي دارت في هذه ا لمحاضرة . فما لا يدرك كلّه لا يترك جلّه كما يقولون.

 

من المعروف عموماً أن الإنسان عدو ما يجهل . و بالتالي فإن الكثير من الأوهام تدور حول بعض الأمراض المنتشرة بين الأطفال نظراً لقلة المعرفة بحقائقها . و لا أبالغ إذا قلت إن الصرع من أكثر الأمراض التي تدور حولها الأوهام و الخرافات منذ قديم الزمان . و ربما كان إيضاح الحقائق أفضل طريقة للتخلص من الأوهام.

 

بادئ ذي بدء ....  أحب أن أذكر أن هنالك فرقاً ما بين الصرع و الاختلاج . فالاختلاج هو تلك الحركات التشنجية اللاإرادية التي تحدث في أحد أجزاء الجسم أو بعضها أو جميعها و لها أشكال متعددة و أسباب متعددة أيضاً. فالمصاب بالداء السكري قد تعتريه الاختلاجات إذا حصل لديه نقص شديد في سكر الدم. و ربما حدثت الاختلاجات بعض رضوض الرأس و لأسباب عديدة أخرى . أما الصرع فهو ذلك المرض الذي تحدث فيه اختلاجات متكررة لأسباب غير واضحة عبر فترات مختلفة.

 

 و نبدأ بذكر بعض المفاهيم الخاطئة المتعلقة بالصرع و إيضاح الحقائق المتعلقة بشأنها.

 

* يعتقد بعض الناس أن الصرع هو عبارة عن مرض عاطفي أو عقلي. و الواقع أن هذا الداء ليس كذلك . إن الصرع بكل بساطة هو عبارة عن  "مشكلة طبية" فقط لا غير. فكما أن الربو هو مشكلة طبية و الداء السكري هو مشكلة طبية . فكذلك الصرع. و هو مرض قابل للعلاج و يمكن أن نسيطر عليه ببعض الأدوية الملائمة التي يختارها الطبيب.

 

* و يعتقد آخرون أن الصرع يعني بالضرورة وجود آفة تكتنف الدماغ. و حقيقة الأمر أننا لا نجد آفة محددة في الدماغ إلا في 30% من حالات الاختلاجات . و بالتالي فإن نسبة ال 70% المتبقية لا تكتشف فيها أية آفة دماغية .

 

* و من الاعتقادات الخاطئة في هذا المجال أن الأهل المصابين بالصرع سينجبون -بالضرورة- أطفالاً مصابين .  و هذا أيضاً غير صحيح.  و الحقيقة هي أن 6% فقط من أطفال المصابين بالصرع سيكونون من المصابين . و إن كانت نسبة إصابة أطفال النساء المصابات أعلى من نسبة الرجال المصابين . فإذن في حال وجود عائلة أصيب أحد طرفيها - الأب أو الأم - بالصرع فإن احتمال كون الأطفال معافين من المرض هي 94% . و هذه نسبة تدعو حقاً إلى التفاؤل.

 

* و يظن بعض الناس أن الصرع يؤدي إلى الموت. و الواقع ليس كذلك! و لكن نذكر هنا ما يسمى بالحالة الصرعية . و هي حالة تحصل فيها اختلاجات مطولة متكررة . هذه الحالة تحصل فيها الوفيات في حوالي 5% من الحالات . و لكن يجب أن نذكر هنا أن أغلب حوادث الحالة الصرعية ناجمة عن عدم إعطاء الجرعات المناسبة من الدواء للطفل. و بالتالي يمكن تجنبها في حال المثابرة على إعطاء الدواء بدقة و الالتزام بتوصيات الطبيب. أي أن بإمكان الأهل خفض حالات الوفيات الناجمة عن هذا المرض.

 

* و كثيراً ما يسألنا الأهل فيما إذا كان من المناسب إعطاء التنفس الاصطناعي للطفل أثناء حصول هجمة الصرع المسماة بالاختلاج. و الواقع هو أن هذه الأمر غير ضروري ... بل لا يجوز أن يحصل. فالمشكلة في حالة الاختلاجات الصرعية هي أن التشنجات العضلية الشديدة تمنع الدخول و الخروج الطبيعيين للهواء إلى الرئتين. وبالتالي فمن غير المفيد تقديم التنفس الاصطناعي أو حتى الأوكسجين خلال الهجمة . كما أن آخرين يعتقدون أن وضع قطعة قماش أو مطاط أو غيرها في فم الطفل أثناء الاختلاج هو أمر مفيد ، و الحقيقة هي غير ذلك . فإن الأمر قد يؤدي إلى تكسر أسنان الطفل المصاب و استنشاق هذا الأسنان مما قد يؤدي إلى الاختناق. إن أفضل طريقة يجب اتباعها أثناء الاختلاج هي إبعاد الأشياء القاسية المؤذية عن الطفل ( كالكراسي و الطاولات و قطع الأثاث القاسية ) و و ضع الطفل على جنبه لمنع الاختناق مع تجنب محاولات ربط أو تحديد حركة الطفل ، و من ثم انتظار انتهاء ا لاختلاج لتهدئة الطفل و إعطائه الشعور بالدفء و الأمان.

 

* و يوجد لدى بعض الناس اعتقاد خاطئ و هو أن من المناسب إعطاء أدوية الاختلاج للطفل حين بدء الهجمة. و نقول لا .... ذلك أن نوبة الاختلاج تستمر عادة بين الدقيقتين إلى الخمس دقائق. بينما قد تحتاج بعض الأدوية ساعة أو أكثر ليبدأ عملها و بالتالي فلا يمكن أن تكون مفيدة في تخفيف الاختلاج أو منعه. فيجب الامتناع عن ذلك.

 

* و يتساءل بعض الأهل ... هل من الضروري الاتصال بالإسعاف حين بدء الاختلاج؟ و الإجابة عن هذا السؤال هي بالنفي. ذلك أن الأهل -وقد اعتادوا على فهم طبيعة الاختلاجات- قادرون بمفردهم على التعامل مع الاختلاج الذي سينتهي غالباً قبل وصول سيارة الإسعاف إلى المنزل. نعم ....  هنالك حالات تستدعي الاتصال بالإسعاف..  نذكر منها الاختلاج ا لذي يحصل لأول مرة و الاختلاج الذي يستمر لأكثر من عشر دقائق و الاختلاج الذي يحصل لدى مرضى السكري و الاختلاج الذي يحصل بعد صدمة قوية على الرأس. أما في الطفل المصاب بالصرع  و الذي ألمّ الأهل بطبيعة مرضه ، فإن الاتصال بالإسعاف هو أمر غير ضروري.

 

* و يظن بعض الأهل أن الاختلاجات التي تحصل لدى الطفل تسبب له ألماً شديداً. إن هذا الاعتقاد غير صحيح. و ربما كان السبب فيه هو الصراخ الذي يحصل لدى بعض الأطفال أثناء حصول الصرع . و الواقع إن السبب فيه هو خروج الهواء باندفاع شديد من الرئتين خلال الحبال الصوتية . و هذا ناجم عن التشنج الشديد الذي يحصل في العضلات. إن الطفل لا يصاب بالألم أثناء الاختلاج. و لنذكر أن الطفل أثناء الاختلاجات الصرعية يكون فاقداً للوعي أصلاً و عندما يعود لوعيه فإنه لا يذكر ما حصل أثناء الاختلاج ، و بالتالي فإن موضوع الألم ليس وارداً . و لا يعدو الأمر التعب الشديد بعد الاختلاج و هو ناجم عن الجهد الشديد الذي يحصل بسبب التشنج في العضلات، و هذا هو السبب في أن الطفل كثيراً ما يخلد للنوم إبّان نوبة الاختلاج.

 

* و يطرح بعض ذوي المصابين بالصرع سؤالاً هاماً ....  " هل يجب أن أمنع طفلي المصاب بالصرع من مزاولة الرياضات المختلفة ؟" و نقول هنا : إن الرياضة هي من النشاطات الهامة لأي إنسان للمحافظة على صحته و صيانتها . و ليس المصابون بالصرع استثناءً لهذه القاعدة الذهبية . و لكننا نقول إن هنالك بعض الرياضات لا تناسب المصابين بالصرع نذكر منها السباحة على سبيل المثال و ذلك لأن حصول الاختلاج أثناء ممارسة الطفل لهذه الرياضة قد يشكل خطراً على حياته. و كذلك ممارسة الرياضات العنيفة كالمصارعة و كرة القدم الأمريكية . أما الرياضات الأخرى فلا بأس بها بل إننا ننصح الطفل بممارستها ، فإضافةً إلى فوائدها الصحة الجسدية فإن لها تأثيراً نفسياً هاماً لإشعار الطفل بأنه طفل طبيعي يمارس النشاطات الحيوية المختلفة شأنه في ذلك شأن أي طفل آخر.

 

* و قد يعمد بعض الأهل إلى إعطاء طفلهم المصاب بالصرع ما يعتقدون -خطأً- أنه اهتمام خاص و ذلك بتجنب تنبيهه إلى أخطائه أو إرشاده إلى الصواب بحجة أن إغضابه قد يؤدي إلى حدوث حالة من الاختلاج لديه. و أحب أن أنبه الأهل إلى أن هذا سلوك خاطئ تماماً. فأولاً إن الغضب لا يؤدي إلى الاختلاجات. و ثانياً إن الهدف التربوي في الأطفال المصابين بأي مرض  هو أن نعامل الطفل معاملة الطفل ا لطبيعي و لا نخصه بمعاملة خاصة . إن هذا السلوك الخاطئ من شأنه أن يؤدي إلى سوء تربية الطفل مما يؤدي إلى إيذائه سلوكياً في المستقبل. عامل طفلك المصاب بالصرع معاملتك لأي طفل آخر من أطفالك و عالج حالة الصرع كأية حالة طبية.

 

* و كثيراً ما يقوم بعض المعلمين و المسؤولين التربويين بالاتصال بالأهل كي يعيدوا طفلهم إلى المنزل في حال إصابته بنوبة صرعية في المدرسة . و نقول إن هذا الأمر لا ينبغي أن يحدث. فالهدف كما قلنا آنفاً هو أن نقوم بتربية الطفل تربية عادية طبيعية كأي طفل آخر ، كما يجب أن نحافظ على حضوره المدرسة

و تحصيله العلمي . و إن إعادة الطفل إلى المنزل بعد كل نوبة لا يخدم هذا الهدف.  إن نوبة الصرع تستمر وسطياً ما بين دقيقتين إلى خمس دقائق . و بالتالي فإنها ستنتهي على الأغلب قبل أن يصل الأهل إلى المدرسة. و من واجب الأهل في هذه الحالات أن يشرحوا للمعلمين في المدرسة عن طبيعة مرض طفلهم و حصول الاختلاجات لديه و ربما كان من المفيد في هذه  الحالات حصول اتصال و نقاش بين معلم الطفل و طبيبه بشأن الحالة مما يدعو إلى حصول الاطمئنان لدى المعلمين . و بالتالي فإننا بهذه التواصل بين الأهل و الطبيب و المعلم نحافظ على المستقبل الدراسي للطفل.

  

إن الصرع -كما ذكرنا في مقدمة هذا المقال- من الأمراض التي يدور حولها الكثير من سوء  الفهم و المعتقدات الخاطئة . و أرجو أن يكون هذا المقال قد أوضح بعضاً من هذه المفاهيم و صحح بعضاً من هذه الأخطاء.