|
الإنفلونزا من
جديد... الكلام الذي يُمَلّ!!
كلما عاد موسم
الإنفلونزا، عاد الحديث من جديد عن لقاح الإنفلونزا، وعاد الكلام عن أعراضها
ومعالجاتها، وما تبتكره الشركات من أفكار جديدة تستطيع من خلالها أن تثبت
وجودها في (الأسواق الطبية) من علاجات وأساليب وقاية. كنا نتوقع كأطباء أن
تتكرر الأسئلة من قبل المرضى عن هذا المرض ولقاحه، وهذه حقهم بطبيعة الحال.
بيد أن الحديث في هذا العام له نكهة أخرى قد لا تكون محببة بالضرورة.
الأزمة
شركة أدوية بريطانية
كان من المفترض أن تصدّر إلى الولايات المتحدة أعداداً كبيرة من لقاحات
الإنفلونزا مع حلول موسم هذا المرض، وقد قامت السلطات الصحية بحساب حاجة
المرضى في هذا العام من اللقاح آخذة باعتبارها بطبيعة الحال ماكانت هذه
الشركة ستصدره ــ بناءً على العقود التي أبرمت معها ــ من لقاحات. ولكن شركة
(كيرون) فقدت رخصتها بقرار من الحكومة البريطانية، وهذا ولّد نقصاً مقداره
46 مليون جرعة من اللقاح في الولايات المتحدة الأمريكية (الرقم هو 48 مليون
جرعة حسب رواية أخرى) ....... وهو ــ على أية حال ــ رقم كبير جداً ويشكل
نسبة عالية من حاجة السوق الطبية تعادل تقريباً نصف ما كان متوقعاً وجوده في
العيادات والمشافي، الأمر الذي أوقعنا جميعاً ... سلطات صحية وأطباء ومرضى في
أزمة هامة.
حلول
السلطات الصحية
تحركت بسرعة وقامت بإجراء اتفاقيات مع شركة (أفنتيس باستور) وهي الشركة
المحلية الوحيدة المنتجة للقاح، لمحاولة إعادة توزيع كميات اللقاح التي سيتم
طرحها في السوق بطريقة عادلة وتفي باحتياجات الولايات والمقاطعات المتضررة
بشكل كبير من الأزمة. ووفقاً لهذه الاتفاقيات فقد تمت إعادة توزيع 22 مليون
جرعة من أصل 55 مليون جرعة تم إنتاجها من قبل هذه الشركة. وإعادة التوزيع هذه
أثرت بطبيعة الحال على المناطق التي سحبت منها هذه الكميات.
وسائل الإعلام
وسائل الإعلام ــ
كعادتها ــ لم تكذب خبراً وراحت تتكلم عن الموضوع بشكل مجسم ومحجّم. وهذا
الأمر شكل نوعاً من الفزع الذي يؤثر على سلامة اتخاذ القرارات. وكان أكثر
المهتمين ــ الفزعين ــ في هذا الأمر هو الأهل الذين لديهم أطفال والذي
يريدون أن يؤمنوا لأطفالهم الحماية اللازمة منذ بداية موسم الإنفلونزا. وراحت
المكالمات تنهال على عيادات أطباء الأطفال التي أصبحت مسقط الأطيار في هذا
المجال. والجميع يريد الحصول على اللقاح، وكان الأساس في هذا السعي الحثيث
مبدأ (كل ممنوع مرغوب) ، وكأن لقاح الإنفلونزا هو قطعة من الكعك... وكل شخص
يريد الحصول على نصيبه منها. وأصبح الأمر ــ في نهاية المطاف ــ أشبه بــ
(أزمة تموينيّة) لا بد لها من حل.
الإنفلونزا
وقبل أن نغوص في
قضية اللقاح ومن يجب أن يعطى له اللقاح، فإن علينا ربما أن نتكلّم ولو بلمحة
موجزة عن الإنفلونزا ذاتها. صحيح أن هذا الحديث قد ذكرناه سابقاً في غير
مقال، ولكن في الإعادة إفادة في بعض الأحيان. إن الإنفلونزا هي مرض ينجم عن
فيروس يصيب الجهاز التنفسي، شأنها في ذلك شأن فيروس الزكام. ولكن تختلف
الإنفلونزا عن الزكام بكون أعراضها أشد والحرارة فيها أعلى إضافة إلى وجود
آلام معممة في الجسم. ومن أعراضها بطبيعة الحال السعال وألم البلعوم وسيلان
الأنف أو احتقانه والصداع والتعب الشديد. وفي بعض الأحيان قد يترافق الأمر
بأعراض هضمية كالغثيان والإقياء والإسهال ولا سيما في الأطفال وإن كانت
الأعراض الهضمية أقل شيوعاً من غيرها. ومن المعروف إحصائياً أن الإنفلونزا
تسبب 20 ألف حالة وفاة كل عام في الولايات المتحدة الأمريكية، كما أنها تتسبب
في الآلاف من حالات القبول إلى المشافي. وهنالك ثلاثة أنماط لفيروسات
الإنفلونزا وهي (آ) و (ب) و(ث). إن الفيروسين (آ) و (ب) هما المسؤولان عن
الجائحات التنفسية التي تحصل كل عام تقريباً بين شهري أيلول وآذار. أما
النموذج (ث) فأعراضه أقل شدة بكثير من الفيروسين الآخرين كما أنه لا يؤدي إلى
حصول الجائحات. ولذلك فإن كل وسائل المعالجة والوقاية تركز على النوعين
الأوّلين. علماً أن (آ) له نوعان و(ب) له نوع واحد. ويقوم الفيروس من النوع
(آ) بتغيير نفسه بشكل أكثر دراماتيكية من النوع (ب). وإن التغييرات الجينية
الوراثية التي تطرأ على فيروسات الإنفلونزا هي التي تستدعي تغيير اللقاح من
عام إلى آخر في محاولة لمتابعة تطوّر الفيروس نفسه والوقاية منه.
لمن يعطى اللقاح
إن الأمر الأساس
التي ركزت عليه السلطات الصحية لحل مشكلة لقاح الإنفلونزا هذا العام هو
إعطاؤه للمرضى الذين يحتاجونه بشكل أكبر. وهذا أدى إلى صدور تعليمات جديدة
ومعدلة من قبل المركز ا لقومي للوقاية والسيطرة على الأمراض بشأن المرضى الذي
يجب أن يعطى لهم اللقاح. وتشمل قائمة (المستحقين للقاح) أولئك الذين تجاوز
عمرهم 65 عاماً، والسبب في ذلك هو أن هذه المجموعة من المرضى معرّضة لأخطار
ومضاعفات شديدة في حال إصابتها بمرض الإنفلونزا قد لا تكون ذات الرئة أشدها.
ويضاف إلى ذلك الأطفال بين عمري 6 أشهر و23 شهراً، والسبب في إعطائه لهذه
المجموعة مقارب للسبب في المجموعة الأولى حيث أن هؤلاء الأطفال لا تكون
مناعتهم عالية بحيث تسيطر على المرض ومضاعفاته مما يعرّضهم لمخاطر شديدة في
حال الإصابة به. ويضاف إلى ذلك بعض المرضى المصابين بأمراض مزمنة أهمها الربو
والداء السكري (مع بعض التفاصيل المتعلقة بالمرض الأخير والتي يرجع القرار
بشأنها إلى الطبيب المعالج). وربما أضفنا إلى هذه المجموعة من المرضى أولئك
المصابين بأمراض القلب الشديدة والذين يكونون عرضة لمخاطر جسيمة في حال
إصابتهم بالمرض. ويعطى اللقاح أيضاً للأطفال الذين يتم إعطاؤهم الأسبرين بشكل
مستمر، وهذا الأمر الأخير السبب فيه هو أن الطفل الذي يتناول الأسبرين ويصاب
بالإنفلونزا معرّض للإصابة بمرض خطير يدعى داء (راي) وفيه تحصل إصابة شديدة
في الدماغ والكبد قد تكون خطرة على الحياة، ويعتبر إعطاء لقاح الإنفلونزا
لهؤلاء المرضى من أهم طرق الوقاية من المرض. ويضاف إلى هذه القائمة العاملون
في مجال العناية الطبية كالأطباء والممرضات والموظفات في العيادات الطبية
وخصوصاً عيادات الأطفال، ولا يخفى أن هذه المجموعة من الناس معرّضة أكثر من
غيرها للإصابة، وإن إعطاء اللقاح لها لا يحمي الشخص نفسه فقط ولكنه يحمي
المرضى الذين يقوم هؤلاء الأشخاص بالعناية بهم. ومن ضمن الناس الذي يعطـَون
اللقاح النساء اللاتي قد يحملن خلال موسم الإنفلونزا، أو أولئك اللاتي هن في
تماس مع أطفال عمرهم أقل من ستة أشهر. ولا بد أن نذكر في النهاية أن هذه
القائمة ليست (منقوشة على الحجر) كما يقولون، ولكن هنالك استثناءات ترجع
لمحاكمة الطبيب الذي تعنيه صحة مرضاه بالدرجة الأولى.
قطعة الحلوى
إن جميع المعنيين
بالشأن الصحي يحبون أن يقدموا لمرضاهم كل ما يحتاجونه من عناية صحية ومن
ضمنها اللقاحات المطلوبة بطبيعة الحال. ولكن الأمر الذي يجب أن يكون واضحاً
للجميع، هو أن الأزمات الصحية التي تصيب المجتمعات هي أمر اجتماعي شمولي
بالدرجة الأولى، وعلى المجتمع أن يتعامل معها كوحدة كاملة متكاملة تضع
المصلحة العامة فوق المصالح الفردية. ومن أكثر المشاهد المزعجة لأي
طبيب هو أنه عندما يضطر ــ آسفاً ــ لعدم تلبية رغبة المريض أو أهله بالحصول
على اللقاح أن يواجه بالحزن أو الــ (حَـرَد) أو عدم الرضى، وكأن هذا القرار
تابع للطبيب وحده .. وكأنه لا توجد هنالك قواعد تصدرها السلطات الصحية وعلى
الجميع اتباعها. إن المجتمع بإجماله يجب أن يدرك أن هنالك من هم بحاجة
أعلى من غيرهم للقاح ما أو عناية صحية معيّنة. وبالتالي فإن هذه المجموعات من
المرضى تستحق الحصول على هذه العناية ويجب على الجميع أن يتعاملوا مع هذا
الأمر بطيب خاطر. والأمر الأهم الذي يجب علينا أن نتجنبه هو التعامل مع قضية
لقاح الإنفلونزا كقضية (تموينية) أو أنها قطعة حلوى يسعى كل إنسان للحصول
عليها. ففي أمور كهذه يجب أن يأتي العامل الإنساني على القمة بين الأولويّات
|