|
آلام
النمو عند الأطفال
حقيقة
أم خيال؟!
قالت لي الأم: أحب أن
أسألك سؤالاً بسيطاً.... طفلتي مروة عمرها سبع سنوات. وقد بدأنا نعاني من
مشكلة عندها في الفترة الأخيرة. فهي تستيقظ ليلاً وتشكو من ألم في ساقيها.
نحاول أن نمسّد ساقيها لتخليصها من الألم وأن نعطيها بعضاً من الأدوية
المسكّنة. فننجح في تخفيف الألم أحياناً ونخفق أحياناً. الألم على العموم
محمول وغير شديد. ولكن قلقنا ليس بسبب الألم بحد ذاته وإنما فيما إذا كانت له
أسباب تدعو إلى الخوف. وقد سألت قريباً لنا من الأطباء فقال لي إن ما تعانيه
مروة إنما هو (آلام النمو). وسألت قريبة لنا لديها عشرة أطفال ــ ولهذا السبب
فنحن نعتبرها المرجع الطبي الأوّل للعائلة ــ فقالت لي إن (آلام النمو) إنما
هي من صنع خيال الأمّهات وبعض الأطباء ولا بد من أن يكون للألم سبب يجب
علاجه. وسؤالي البسيط: ما هو سبب الألم عند طفلتي؟ وهل آلام النمو عند
الأطفال حقيقة أم خيال؟ قلت للأم: لقد سألتِني سؤالاً بسيطا. ولكنني لا
أستطيع أن أعطيك جواباً بنفس القدر من البساطة!
ربع الأطفال!
وتابعت: أما عن القسم
الأخير من سؤالك، فأحب أن أقول لك إن آلام النمو هي حقيقة ويعاني منها
25% من الأطفال. وأما
عن سبب الألم لدى طفلتكِ فالقضية فيها كلام. فآلام النمو تنتمي إلى فئة من
المشاكل الطبية التي تشخّص بما نسميه في الطب (تشخيص النفي)! قالت: هذه كلمة
لا أفهم معناها. قلت: نعم... فنحن ــ معشر الأطباء ــ نخترع أحياناً كلماتٍ
كبيرة لمشاكل صغيرة حتى نضفي هالة عليها. ولكن دعيني أشرح لك. المشاكل التي
تشخّص بتشخيص النفي هي المشاكل التي لا يوجد لها دليل مخبري أو سريري مؤكّد
ولا بد ــ قبل أن نطلق تشخيصاً لمشكلة من هذا النوع ــ من أن ننفي المشاكل
الأخرى التي تسبب هذه الأعراض. وقبل أن نقول إن الطفل مصابٌ بآلام النمو فلا
بد من أن نتأكّد من أنه لا يعاني من مشكلة أخرى قد تسبب آلاماً مشابهة
كالروماتيزم مثلاً أو الكسور البسيطة التي قد لا تكتشف بسرعة أو ما يدعى
بالتهاب العظم والنقي. وبالتالي فلا بد من أن يقوم الطبيب بفحص الطفل أوّلاً
وربما أجرى صوراً شعاعية و فحوصاً واختبارات معينة وفي حال (نفي) جميع
المشاكل السابقة يمكن أن نقول عندئذٍ إن الطفل مصابٌ بآلام النمو.
صفات نبحث عنها
عندما نقوم بدراسة
حالة طفل نشك عنده بآلام النمو فإننا نبحث عن بعض الصفات والظروف التي ترافق
هذا النوع من الألم. فآلام النمو تأتي عادة خلال مرحلتين. الأولى هي بين عمر
3 ــ 5 سنوات والثانية بين عمر 8 ــ 12 سنة. ويغلب أن يحصل الألم في فترة بعد
الظهر أو المساء ولكنه قد يحصل أحياناً أثناء الليل فيوقظ الطفل من نومه.
وتختلف شدة الألم من طفل إلى آخر و يغلب ألا يحدث كل ليلة بل مرة في الأسبوع
تقريباً. وهو يتركز في العضلات وليس في المفاصل. وأشيع أماكنه المنطقة
الأمامية للفخذين و بطتا الساقين وقد يحدث أحياناً في القسم الخلفي للركبة.
وتبدو المفاصل عند هؤلاء الأطفال سليمة غير مصابة بالاحمرار أو الانتفاخ كما
أن حرارة المفصل تكون عادية ولا ترتفع وهذا ما يفرق آلام النمو عن المشاكل
الالتهابية والروماتيزمية. وهنالك علامة مميزة يمكن أن يستفيد منها كل من
الأهل والطبيب في الوصول إلى التشخيص. فالأطفال المصابون بأمراض التهابية في
الساقين يخافون من اللمس والتمسيد بينما يرتاح الأطفال المصابون بآلام النمو
عندما يقوم الأهل بتمسيد ساقيهم. هذه العلامة مهمة ولا بد من استخدامها
كوسيلة لتفريق هذه المشكلة عن المشاكل الأخرى.
هذه هي!!
قالت لي: عندما كنت
تصف آلام النمو فكأنما كنت تتحدث عما يحصل عند ابنتي مروة. فهي بالفعل تسرّ
كثيراً عندما نقوم بمعانقتها وتمسيد ساقيها عندما تصاب بالألم. كما أننا لم
نلاحظ يوماً أن مفاصلها أصيبت بأي انتفاخ أو احمرار أو غير ذلك. هذا الأمر
يدعوني للاطمئنان. فما هي أفضل طريقة للمعالجة؟ وهل ستزول هذه الآلام؟ قلت:
إن هنالك العديد من الوسائل منها التمسيد الذي تستخدمينه بالفعل الآن ومنها
إعطاء المسكنات كالتايلنول والأيبوبروفن. وقد يفيد استخدام الكمادات الدافئة.
وهذه الآلام ستزول بالتدريج مع الزمن.
متى أتصل بطبيبي؟
قالت: ولكن ما هي
العلامات المقلقة التي توجب علي الاتصال بك؟ قلت: هنالك العديد من الأعراض
التي تستوجب استشارة الطبيب ومنها تورم المفاصل واحمرارها والحرارة
والاندفاعات الجلدية وضعف الحركة وتأثر مشية الطفل فهذه الأعراض قد تعني أن
الألم ليس من آلام النمو وقد تستدعي نفي المشاكل الأخرى.
اسم جديد
قالت لي: إنني أفهم
من اسم (آلام النمو) أن سببها هو نمو العظام وبالتالي فإن التمدد الحاصل في
أنسجة العظام يؤدي إلى الألم فهل هذا صحيح؟ قلت: في الواقع لا يوجد أي دليل
على أن النمو بحد ذاته هو السبب في هذه الآلام. وأغلب العلماء يعتقدون اليوم
أن السبب الحقيقي هو القفز واللعب الذي يقوم به الطفل أثناء النهار مما يضع
ضغطاً على عضلاته فتحصل الآلام. ومن المعروف أن هذه الآلام تزيد عندما يقوم
الطفل بحركات رياضية معينة أثناء النهار كأن يكون لديه درس تمارين أو مسابقة
جري. قالت: ولماذا تدعى إذاً آلام النمو؟ قلت: لقد مر زمن كان يعتقد فيه معظم
الأطباء أن النمو هو السبب ومن هنا جاء الاسم وظل مستخدماً. ونحن حتى الآن لا
نعرف الحقيقة تماماً. قالت لي: في هذه الحالة فأنا سأقترح أن يطلق على هذه
الحالة اسم جديد. قلت: ماهو؟ قالت: آلام القفز!
|