موقع الدكتور باسل الخطيب لطب الأطفال

Dr.Basel Khatib's Pediatric Web Site

روابط صور نادي الأطفال أسئلة شائعة وجّه سؤالاً راديو تلفزيون صحافة المقالات الرئيسة
Migraine

 

يقولون .... يقولون !!

 

الفرّاء واحد من علماء اللغة العربية المرموقين. له كلمة مشهورة قال فيها : (إني أموت وفي نفسي شيءٌ من حتى!) في إشارة إلى ما عاناه من كلمة (حتى) فهي كالاستعمار تأتي بألف لَبوسٍ و لَبوس. فهي تأتي تارةً حرف جر، و طوراً حرف غاية وإذا سبقت فعلاً فإنه يصاب بآفة النصب، فإذا سألت بماذا نصب الفعل؟ قيل لك: بأن المضمرة بعد حتى!

 

 (حتى ) هذه أحرقت قلب الفراء فقال فيها كلمته  التي ذهبت مثلاً. وأنا آوي إلى فراشي كل ليلة وفي نفسي شيءٌ من كلمة (يقولون)! وتقول لي: ولكن كلمة (يقولون) هي كلمة عادية، فلماذا تحمل عليها بهذا الشكل؟

 

 وأقول لك: إن كلمة (يقولون) ليست عادية أبداً لو كنت تعلم!

 

سيناريوهات كل يوم

 

دخلت الأم الفاضلة إلى عيادتي ومعها طفلتها الوليدة. وقد لفت نظري أنها قد ألبستها ملابس كثيرة لونها أصفر. ثوبها أصفر... وقبعتها صفراء .... وجواربها الصغيرة صفراء... وفوق ذلك ألصقت على شعرها الجميل شريطة صفراء!

 

 قلت: يبدو أنكِ تحبين اللون الأصفر.

 

 قالت: أنا أحبه ولكن هذا ليس هو السبب في اختياري له.

 

 قلت: وما هو السبب؟

 

 قالت: لأنهم يقولون إن ا للون الأصفر يمنع اليرقان الذي نسميه (الصفيرة) !

 

 قلت: اللون الأصفر يمنع اليرقان؟

 

 قالت: نعم. هكذا يقولون.

 

 قلت: ومن هم الذين يقولون؟

 

 قالت: الناس!

 

 قلت: أي ناس بالتحديد؟

 

 قالت: لا أدري. ولكن هكذا يقولون.

 

 قلت: أتمنى أن أعرف ولو مرة واحدة في حياتي واحداً من هؤلاء الذين يقولون.

 

 قالت: لي وهل هنالك أحد آخر قال لك كلمة يقولون؟

 

 قلت: أحد آخر؟! إنني أسمع هذه الكلمة كل يوم!

 

نماذج مما يقولون

 

قالت لي: ماذا يقولون غير ما قلته لك؟

 

 قلت: يقولون إن السعال يمزق رئة الطفل.

 

 قالت: أوليس ذلك صحيحاً؟

 

 قلت: يا سيدتي إن السعال هو عبارة عن آلية دفاعية تقوم بها رئتا الطفل بإخراج المواد الضارة التي تتراكم فيهما، فلماذا يمزق الرئتين؟

 

 قالت: وماذا يقولون أيضاً؟

 

 قلت: يقولون إن وضع قطعة من العملة المعدنية على الفتق السري عند الطفل ثم ربطها بشريط قماشي يؤدي إلى شفاء الفتق.

 

 قالت: وما رأيك بهذا؟

 

 قلت: إن القطعة المعدنية و الضغط المطبق عليها قد يؤديان إلى اختناق الفتق مما يدخلنا في مضاعفات لها أول و ليس لها آخر وقد يوجب الجراحة الفورية لإنقاذ الطفل.

 

 قالت: يا ساتر!! هذا ما قيل لي أن أفعله لطفلتي الأولى هدى.

 

 تابعت: ويقولون إن وضع التراب على الجرح يؤدي إلى شفائه و التئامه بسرعة، بينما يقول العلم إن هذا قد يؤدي إلى حصول الكزاز لدى الطفل فيشكل خطراً على حياته. هل أزيدك؟

 

 قالت:تفضل.

 

 قلت: ويقولون إن إضافة دقيق القمح أو الأرز إلى حليب الطفل الوليد يؤدي إلى الشبع وعدم البكاء.

 

قالت: بالفعل... هذا ما سمعته.

 

 قلت: ولكن الحقيقة هي أن الإضافة الباكرة للدقيق و غيره إلى غذاء الطفل قبل عمر أربعة أشهر قد يؤدي إلى مضاعفات كثيرة كالحساسية و الاضطرابات الهضمية.

 

 قالت: لي هذا أمر مخيف.

 

 قلت: لقد أجبت عن سؤالك و أعطيتك بعض النماذج، فهل لك أن تجيبي عن سؤالي؟

 

 قالت: أي سؤال.

 

 قلت: السؤال الدائم الذي لم أجد له جواباً حتى الآن..... من هم أولئك الذين يقولون؟

 

 

الخبرة والمنطق

 

قالت لي: أحب أن أجيب عن سؤالك. ولكن ليس لدي جواب محدد أذكر فيه أسماء أشخاص. ومع ذلك فيمكنني أن أقول لك إن الذين يقولون هم من أهل الخبرة وأصحاب المنطق.

 

 قلت: أما عن  الخبرة يا سيدتي فأحب أن أذكّركِ بقول لأحد الحكماء قال فيه لو كانت الخبرة وحدها تكفي لأصبحت أعمدة دار الأوبرا أفضل من جميع المغنين. وأما عن المنطق فاسمحي لي أن أروي لك قصة عن الجاحظ. فقد كان من أهل المنطق والكلام. وقد قيل له يوماً إن الأطباء يمنعون تناول الحليب والسمك معاً فخليطهما يضر بالجسم. فقال الجاحظ إن هذا الكلام غير منطقي، فالمنطق يقول إن الحليب و السمك إذا كانا ينتميان إلى نفس الجنس فحريّ بأحدهما أن يحدث نفس الأثر الذي يحدثه خليطهما، وإن كانا من جنسين متضادين فجديرٌ بأحدهما أن يعاكس مفعول الآخر. وقام ـ نكاية بأهل الطب على ما يبدو ـ بتناول الحليب و السمك على العشاء... فأصبح مفلوجاً!!

 

 وأنا ـ و إن كانت لدي تحفّظات على كون تناول هذين الطعامين معاً أمراً ضاراً و لهذا حديث آخر ـ أقول لكِ إن هذه القصة الرمزية يمكن أن نتعلّم منها أن المنطق وحده لا يمكن أن نستنتج من خلاله حقائق علمية تطبّق في العلوم  التجريبية كالطب. وأقل ما يمكن أن نقوله عن الجاحظ هو أنه في استنتاجه لم يحترم علم الكيمياء. فكان ما كان. إن من أول ما كانوا يعلمونه لنا خلال دراستنا الجامعية الأولى قاعدة تقول: (واحد زائد واحد لا يساوي إثنين بالضرورة في الطب).

 

قالت لي السمراء

 

إن كل من يروي كلاماً يفصح عن اسم الذي نقله عنه إلا رواة كلمة (يقولون). بديع الزمان الهمذاني في مقاماته لم يكن له شخص يروي عنه ولكنه مع ذلك اخترع شخصاً أسماه عيسى بن هشام وكان يروي عنه مقاماته فيقول حدثنا عيسى بن هشام. وحتى نزار قبّاني ملك القصيدة المتوّج والذي كانت صلاحيات منصبه الشعري تخوّله ألا يروي عن أحد، أوضح في أحد دواوينه من يروي عنه فقال: قالت لي السمراء! بالنسبة لي لم تؤد جميع التحقيقات و التحريات اليومية التي أجريها إلى معرفة اسم أحد من الذين يقولون. فهلا تفضّل أحد الذين يقولون واتصل بنا وأخبرنا بشيءٍ جديد مما يقولون ثم أكمل فضله وأوضح لنا لماذا يقولون ما يقولون!