|
في عيد ميلاده الأوّل
في الماضي لم تكن
احتفالات أعياد الميلاد تحظى بأهمية كبيرة في بلادنا. معظم الناس كانوا
يذكرون أعياد ميلادهم بعد مرورها بأسبوع أو أكثر. اليوم الأمر أصبح مختلفاً
تماماً. فالناس تضع علامات خاصة على التقويم السنوي من أجل التحضير لأعياد
الميلاد. هذه الاحتفالات لم تعد مقتصرة على المشاهير كما كان الأمر في
الماضي، بل أصبحت أمراً يهتم به جميع الناس. حتى المتاحف أصبحت تحتفل بأعياد
ميلادها. لقد سمعت أن (المتحف البريطاني) في لندن ــ وهو أوّل متحف قومي عام
في العالم ــ احتفل بعيد ميلاده المئتين والخمسين في السابع من شهر حزيران
الجاري.
بالنسبة لي فإن أكثر
ما يهمني في أعياد الميلاد ــ بصراحة ــ هو الكعك! فالناس يتفننون اليوم في
صناعة كعك أعياد الميلاد. فهم يزينون هذا الكعك ويبذلون أقصى جهودهم ليكون
كعكاً من الطراز الأوّل.
دعوة
عندما اتصل بي صديقي
سمعت بريق السعادة في صوته. قلت: أنت سعيد اليوم على ما يبدو. قال: طبعاً
فبعد ثلاثة أيام يصبح عمر ولدي(أشرف) سنة كاملة. قلت: هذا ممتاز! إذن سنراه
في العيادة بعد ثلاثة أيام لإعطائه اللقاحات اللازمة وإجراء الفحوص المخبرية.
قال: ألا تستطيع أن تنسى اللقاحات والاختبارات حتى ليوم واحد؟ وهل من المعقول
أن أعكر صفو عيد ميلاده الأوّل بالوخزات وسحب الدم؟ قلت: ماذا ستفعل إذاً؟
قال: أنا أتصل بك الآن لأمر مختلف تماماً. أريد أن أدعوك إلى احتفال عيد
ميلاد (أشرف). وقبل أن أجيبه قال: إياك أن تقول إنك مشغول أو لديك تحضير
لمحاضرة أو اجتماع في المستشفى كعادتك! الأعذار جميعاً مرفوضة. قلت: لا أبداً
يسعدني أن أحضر. قال: نعم وأنا أعلم أنك تحب كعك عيد الميلاد وتحب كميات
كبيرة من (الكريما) البيضاء على الكعك، كما أنك تحب بعض حبات الفريز للزينة.
قلت: أنت تعرف جميع أسراري كما يبدو. قال: طبعاً. قلت: من أين ستشتري الكعك؟
قال: وهل تمزح؟ زوجتي أم أشرف تصنع الكعك أفضل من جميع محلات بيع الحلويات
في( ديربورن) وضواحيها. مرة أخرى أنبهك الأعذار كلها مرفوضة والموعد يوم
الجمعة الساعة السابعة مساءً. وجميع أصدقائنا المشتركين حاضرون. وكذلك
فصديقات ابنتي (سمر) جميعهن حاضرات وهن سيضفين جوّاً من البهجة على الحفل.
نحن بانتظارك. إلى اللقاء!
الحفل
صديقي من النوع الذي
(يحرد) إذا لم أجب دعوته! وبالتالي فأنا مضطر للذهاب. وعلى كلّ فهنالك الكثير
من الأسباب التي تدعوني لذلك، فالرجل صديقي منذ فترة طويلة وطفله ذكيّ جداً
ومحبوب والأصدقاء المدعوون لطفاء، إضافةً إلى الكعك طبعاً.
عندما دخلت منزل
صديقي كانت أجواء الحفل سعيدة جداً يطغى عليها الفرح الغامر. الفتيات
الصغيرات يغنين أغنياتهن البريئة والأصدقاء يتحدثون عن ذكرياتهم الجميلة
و(أشرف) يبدو سعيداً وإن كان لا يدري تماماً سر اجتماع جميع هؤلاء الضيوف.
والتقيت هنالك بأصدقاءٍ لنا لم أشاهدهم منذ فترة طويلة. وعندما نظرت إلى
المائدة الموجودة في غرفة الطعام كان المنظر مذهلاً فعلاً فقد كانت عليها
كعكة أشبه بتلك التي تقدم في الأعراس وليس في أعياد ميلاد الأطفال.
الشموع
بعد قليل قال صديقي
والآن أتى موعد إطفاء الشموع، واتجه الجميع إلى غرفة الطعام. كان على الكعكة
العتيدة اثنتا عشرة شمعة. قلت لصديقي: أليس من المفروض أن تكون هنالك شمعة
واحدة؟ قال: هذا بالنسبة للأطفال الآخرين، أما بالنسبة لولدي أشرف فالأمر
مختلف، فقد أحضرنا له اثنتي عشرة شمعة، شمعة لكل شهر. قلت: وجهة نظر. بعد
إطفاء الشموع بدأت النساء بتقطيع الكعك. قال لي صديقي: لماذا لا نخرج أنا
وأنت إلى شرفة المنزل ونتكلّم قليلاً بعيداً عن الضجيج، فأنا أريد أن أسألك
بعض الأسئلة. قلت: لماذا لا نؤجّل ذلك قليلاً؟ قال: لا تخف! سيصلنا نصيبنا
من الكعك إلى الشرفة. قلت: وأي كعك يا صديقي؟ كل همي هو صحبتك الحلوة!
في عيد ميلاده الأوّل
قال لي: أنا أعرف أنك
تحب أن تبتعد عن أجواء العمل عندما تكون في اجتماعات خاصة، ولكنني أحببت أن
أسألك فقط:متى يجب أن نحضر طفلي إليك من أجل لقاحاته؟ قلت: في أقرب فرصة
ممكنة، خلال أيام إن أمكن حيث نعطيه لقاحات السنة ونجري اختبار السل. قال:
لقد تكلّمت عن اختبارات دموية. قلت: صحيح، فعندما يصبح عمر الطفل سنة نقوم
بإجراء اختبار دموي لتحري مستوى الحديد والرصاص في الدم. فإن كان هنالك نقص
في الحديد قمنا بإعطائه إليه على شكل شراب. قال: لقد بدأ (أشرف) بالقيام ببعض
الخطوات القليلة منذ أيام. قلت: هذا ممتاز. فالطفل عادةً يستطيع أن ينهض
للوقوف بعمر تسعة أشهر ثم يستعين بالأثاث ليمشي قليلاً ثم يستطيع أن يقف وحده
بعمر 11 شهراً ثم يستطيع أن يمشي وحده بعمر سنة في أغلب الأحوال، وإن كان
الأمر يختلف بين طفل وآخر.
ممنوعات ومسموحات
قال: لقد ذكرت لي
مرّة أن بعض الأطعمة التي كانت ممنوعة في السنة الأولى من العمر تصبح مسموحة
بعد أن يبلغ عمر الطفل سنة. قلت: هذا صحيح. ففي السنة الأولى من الحياة يمنع
تناول بياض البيض والسمك (والأطعمة البحرية الأخرى) والبرتقال(والحمضيات
الأخرى). قال: لماذا؟ قلت: لأن تناولها في السنة الأولى قد يسبب الحساسية حيث
أن الجهاز المناعي للطفل لا يستطيع أن يتعامل معها، أما بعد بلوغه السنة من
العمر فيكون جهازه المناعي قد نضج، وبالتالي فلا بأس من تناولها.
الحليب
ومن أهم المواد
الغذائية التي يسمح للطفل بتناولها في هذا العمر حليب البقر. فكما تعرف، في
السنة الأولى يسمح للطفل بتناول إما حليب الأم أو الحليب الصناعي الخاص
بالأطفال، وأما بعد بلوغه سنة فيمكن أن يعطى حليب البقر العادي المقوى
بالفيتامين (د) بعد غليه. قال: ولكن الحليب يكون معقماً فما فائدة الغلي؟
قلت: الغلي يقوم بتحطيم بروتينات الحليب فيجعلها أسهل هضماً وليس الهدف هو
التعقيم. ويجب أن ننتبه هنا إلى عدم جواز إعطاء الحليب ناقص الدسم المعروف
بحليب 2% أو 1% . فالطفل في هذه المرحلة ينمو ويحتاج جسمه ودماغه إلى كميات
الدسم الموجودة في الحليب. إضافةً إلى ذلك، فإن إعطاء الحليب منقوص الدسم قد
يؤدي إلى اضطرابات في شوارد وأملاح جسمه.
الكلام
قال من جديد: (أشرف)
يستطيع أن يقول ست كلمات الآن. فهو يقول( ماما) و( بابا) و( دادا) و (لا) و
(دودو) و( بح)! قلت: وماذا يقصد بكلمة(دودو) وكلمة (بح)؟ قال: (دودو) يشير
بها إلى الأمور المؤذية وغير النظيفة، أما (بح) فيعني بها أن الأمر قد انتهى.
فإذا انتهى من الاغتسال قال (بح) وإذا انتهى الطعام مثلاً قال: (بح)! قلت:
نعم هذه الكلمة شائعة لدى الأطفال ولا أدري ما هو أصلها. على كل فتطوّره
الكلامي جيّد، فالطفل يقول ماما ودادا بعمر تسعة أشهر، وفي عمر سنة يقول
كلمتين إضافيتين. ثم ستلاحظ بعد ذلك تطوّراً كبيراً في مخزونه اللغوي، ففي
عمر سنتين سيستطيع أن يقول 50 كلمة تقريباً وهذا العدد سيصل إلى 250 كلمة في
عمر ثلاث سنوات.
في عالم النسيان
قلت: أعتقد أن
(الجماعة) في الداخل قد نَسَوْنا! ما رأيك أن نطل قليلاً لنطّلع على
(الأخبار)؟ قال: لا يمكن أن ينسونا أبداً، ثم إنني أطمئنك بأن حصتنا من الكعك
محفوظة. قلت: ومن تكلّم عن الكعك يا رجل؟ كل ما يهمني هو (صحبتك الحلوة)!
حرب البسوس!
عندما دخلنا إلى
المنزل من جديد كان المنظر رهيباً. الأطفال كانوا يلعبون وقد غطيت وجوههم
ببقايا (الكريما) فكان منظرهم كالقطة التي أكلت أولادها. أما الكبار فكانوا
يمسحون على بطونهم ويتبادلون كؤوس الشاي والكولا، لهضم وجبتهم الشهية كما
يبدو! أرض الغرفة كانت تسيطر عليها الفوضى وتمتلئ ببقايا يصعب تمييز ملامحها
وكأن حرب البسوس قد جرت عليها للتوّ. نظرت إلى الطاولة حيث كانت تتربع الكعكة
الشهية فلما أرَ أي شيء. كانت الكعكة التي تزهو كالعروس منذ لحظات قد أصبحت
أثراً بعد عين. ونظرت تحت الطاولة فلم أرَ غير (أشرف) المحتفى بعيد ميلاده
الأوّل وكانت أخته تطعمه آخر لقمة من طبقه الذي كان فيه منذ قليل بعض الكعك.
أشرف نظر إليّ، وكأنه لمح مظاهر الذهول في نظراتي. وربما أراد أن يخبرني
بالخبر، قال لي بأعلى صوته كلمة واحدة : (بح)!!!
|