موقع الدكتور باسل الخطيب لطب الأطفال

Dr.Basel Khatib's Pediatric Web Site

روابط صور نادي الأطفال أسئلة شائعة وجّه سؤالاً راديو تلفزيون صحافة المقالات الرئيسة
Migraine

 

حديث البشر ...... عن جنون البقر!!

 

انتهيت من معاينة آخر مريض بعد يوم حافل في عيادتي. قمت بتوقيع بعض الأوراق وإجراء بعض المكالمات الضرورية لأمهات وآباء كانوا قد تركوا رسائل هاتفية متعلّقة بأطفالهم..... وهممت بالمغادرة. في تلك اللحظات دخل عليّ في مكتبي صديق. قلت له: تفضل. فجلس على أحد الكراسي وبدا مضطرباً. بادرته قائلاً: ألحظ في فمكِ كلاماً.

 أجابني: نعم!

 

 قلت: أهو سؤال طبي؟

 قال: نعم.

 قلت: اسأل سؤالك، وأرجو أن توجز. فبصراحة أنا كنت على وشك مغادرة عيادتي قبل أن تدخل. أنا لا أستطيع الانتظار لتناول طعام الغداء. أنا جائع!!

  قال لي صديقي: كنت أستمع إلى الأخبار منذ قليل وهنالك خبر أزعجني.

 قلت: خبر أزعجك؟ جميع الأخبار مزعجة.... متى كانت آخر مرة سمعتَ فيها خبراً ساراً؟ أنا لم أعد أستمع للأخبار أصلاً منذ فترة طويلة لهذا السبب.

 قال: لا .. لدي سؤال خاص عن خبر طبي سمعته.

 قلت: تفضل يا أخي!!

 قال: أريد أن أسألك عن جنون البقر. فقد سمعت أن هنالك بعض الحالات التي تم تشخيصها في البلاد، وأنا أريد منك أن تعطيني بعض التفاصيل عن هذا المرض. بصراحة أنا لا أعرف عنه شيئاً. وبالأمس كنا في سهرة مع أصدقاء آخرين ودار بيننا حديث عن هذا المرض ولاحظت أن الحاضرين ــ وأغلبهم مثقفون ــ لا يعرفون شيئاً تقريباً عنه.  وأنا أريد أن أعرف مدى خطورة تعرضي أنا وأطفالي وعائلتي لهذا الداء.... فقد سمعت أنه قاتل.... هل هو قاتل فعلاً؟

 قلت: نعم.

 قال: أرجو أن تعطيني فكرة عنه. ماهو داء جنون البقر؟

جنون البقر

قلت له: إن داء جنون البقر (أو ما يدعى علميّاً اعتلال الدماغ البقري الإسفنجي) هو عبارة عن مرض بطيء التطوّر، قابل للنقل، تنكسي قاتل يؤثر على الجهاز العصبي المركزي للمواشي.

 سألني: وهل هو داء فيروسي؟

 قلت: لا!!

 قال: هل هو جرثومي؟

 قلت: لا!!

سألني من جديد: هل هو طفيلي

 قلت: لا!!

 قال: فما هو العامل المسبب له؟

 أجبته: إن العامل المسبب لهذا المرض هو نوع من البروتينات تدعى (البريون). وهذا البريون يوجد عادةً على سطح الخلية. هذا البروتين  يتحوّل لأسباب مجهولة إلى عنصر ممرض يؤدي إلى هذا الداء.

 قال لي صديقي: إن كل ما قلته حتى الآن عن المرض متعلّق بالبقر.

 قلت: صحيح... فهناك تبدأ المشكلة.

 قال: ولكن ما يهمني هو إصابته للبشر. لماذا لا تذكر لي شيئاً عن هذا؟

 

حديث البشر!!

قلت: إن هنالك (طبعة بشرية) من داء جنون البقر إن صح التعبير. وهذه الطبعة تدعى (داء كروتسفيلد جيكوب المغاير). والسبب في حصولها هو تناول أنسجة الجهاز العصبي للأبقار المصابة (كالدماغ والنخاع الشوكي) وهكذا ينتقل الداء من البقر إلى البشر!! ولهذا السبب فإن وزارة الزراعة الأمريكية تفرض إزالة هذا الأنسجة من الأبقار التي لا تستطيع المشي (مما قد يدل على إصابتها) وهذا ــ اعتقاد الوزارة ــ هو أحد طرق الحماية من المرض. إضافةً إلى ذلك فإن وزارة الزراعة الأمريكية تقوم بفحص أنسجة عشرين ألف بقرة كل عام بحثاً عن الداء كإجراء وقائي.

 سألني: ولماذا يسمى المرض (داء كروتسفيلد جيكوب المغاير)؟

 قلت: لأن الشكل الأصلي من داء (كروتسفيلد جيكوب) يختلف عن المرض المسبب من تناول أدمغة الأبقار. وهو بالتالي يحصل حتى في النباتيين الذي لا يتناولون اللحوم. وهذا المرض الأخير يحصل في أمريكا بنسبة حالة لكل مليون شخص في العام وهو مرض يصيب المسنين عادةً بعكس الشكل المغاير الذي يصيب الشباب. فهو إذاً مرض مختلف وإن كان يشابه الشكل المغاير في أعراضه.

 سألني من جديد: ألا تتحقق الوقاية من خلال طبخ الطعام المتناول؟

 قلت: لا. لقد بينت الأبحاث أن (البريون) المسبب للمرض لا يتم قتله من خلال الطبخ. وبالتالي فإن الوقاية تتم من خلال تجنب الأنسجة المصابة.

 سألني: وهل ينتقل المرض من خلال تناول حليب الأبقار المصابة؟

 قلت: لا... إن الأبحاث تدل على عدم حصول الانتقال إلاّ من خلال تناول النسيج العصبي المركزي للحيوانات المصابة.

الأعراض

 تابعت قائلاً: أعلم أنك ستسألني الآن عن أعراض المرض.

 قال: صحيح!!

 قلت: إن أوّل ما أحب أن أذكره لك هو أن الأعراض تحتاج لوقت طويل للظهور بعد أن يتعرّض المريض للإصابة. أي أن فترة حضانة المرض طويلة جداً .. وربما امتدت لسنوات عديدة. والأعراض هي في مجملها متعلّقة بالجهاز العصبي المركزي وهي تشمل العته (الذي يظهر من خلال نقص القدرات العقلية للمصاب) إضافة ً إلى بعض الحركات الارتعاشية في الأطراف. علماً بأن العلامات الشعاعية لا تظهر على الدماغ إلاّ في الحالات المتقدمة جداً. والاختبار المفضل في مثل هذه الحالة هي المرنان المغناطيسي.

 

حديث التاريخ

 

سألني: متى بدأ الخوف من داء جنون البقر في العالم؟

 قلت: منذ عام 1986 عندما حصلت أولى إصابات المواشي في بريطانيا. ووصل الأمر إلى قمّته في عام 1993 حيث كان يتم تشخيص ألف إصابة كل أسبوع! ومن المعتقد أن أهم سبب لهذا الانتشار الواسع هو استخدام لحوم البقر كمادة مكوّنة في العلف الذي كان يقدم للعجول.وقد أوصى العلماء الذين تابعوا هذا المرض بالامتناع عن هذا الأمر.  وما بين عامي 1995 و2002 تم تشخيص 124 حالة من داء (كروتسفيلد جيكوب المغاير) في بريطانيا و6 حالات في فرنسا إضافة إلى حالات فردية في 14 دولة أخرى معظمها أوربية مثل إيطاليا ولوكسمبورغ والبرتغال والتشيك وغيرها. وظهر المرض في اليابان أيضاً.وبحلول عام  2003 كان عدد الحالات قد وصل إلى 153 وكان لبريطانيا النصيب الأكبر منها بواقع 143 حالة.   أما في أمريكا فقد تم تشخيص أولى حالات (داء جنون البقر) في 23 كانون الأوّل من عام 2003 ثم تم تشخيص حالات أخرى قليلة.

قال لي صديقي: إذاً فلي أن أفهم من كلامك أن عليّ التفريق ما بين داء جنون البقر الذي يصيب الأبقار والمواشي وداء (كروتسفيلد جيكوب المغاير) الذي يصيب البشر نتيجة لتناول لحوم الأبقار المصابة.

 قلت: بالضبط!!

 سألني وهل توجد حالات من هذا المرض في أمريكا؟

 قلت: لقد تم تشخيص المرض لدى شاب عمره 22 سنة يقطن في فلوريدا وكان ذلك في عام 2002. ولقد تبيّن أن هذا المريض هو مواطن بريطاني يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية وكان مقيماً في بريطانيا في الفترة التي كان داء جنون البقر فيها في أوج انتشاره.

داء قاتل

سألني: وما هي المعالجة في حال حصول داء (كروتسفيلد جيكوب المغاير)؟

قلت: في حقيقة الأمر لا توجد أية معالجة. فالداء في حال حصوله قاتل. فالأمر إذاً يحتاج إلى الوقاية.

قال: كيف؟

 قلت: إن الوقاية في أمراض كهذه هي متعلّقة بشكل رئيس بالمؤسسات أكثر من تعلقها بالأفراد. والمؤسسات المعنية مثل وزارة الصحة ومركز التحكم بالأمراض وغيرهما يقومان الآن بإجراءات مشددة للحد من انتشار هذا المرض.

 قال لي صديقي: أريد أن أسألك سؤالاً محدداً.

 قلت: تفضل!!

 قال: هل علينا أن نمتنع عن تناول لحوم الأبقار؟

 قلت: هذا الأمر في الحقيقة خيار شخصي. فالهيئات الكبرى المسؤولة عن منع انتشار الأمراض ــ وأكثرها اعتماداً وموثوقية هو مركز التحكم بالأمراض ــ لا توصي بذلك حتى الآن. وهي تذكر أن إمكانية الإصابة بالمرض محدودة جداً وبالغة الضآلة. كما أن الهيئات المعنية تقوم بواجبها. وأنا لا يمكنني أن أعطيك نصيحة بالامتناع عن تناول لحوم الأبقار من خلال رأيي الفردي. أمور كهذه لا بد من الاعتماد فيها على المصادر الصحية الكبرى في البلاد. وما أحب أن أذكره لك أيضاً هو أن النسبة العظمى من الأمريكيين ــ حسب استطلاع رأي صدر مؤخراً  ــ لا تعتبر المرض مهدداً لها ولا تعتبره مدعاة ً للذعر.

 

الغداء

 قال لي صديقي: أنا أشكرك فعلاً على ما قدمته لي من معلومات اليوم. فما كنت أعرفه قبل حديثنا اليوم عن الداء كان معدوماً تقريباً. وأنا آسف لأنني أخرتك عن تناول طعام الغداء.

 قلت: لا بأس!

 سألني: بالمناسبة ماذا ستتناول اليوم من طعام؟

 قلت: شطيرة همبرغر!!