موقع الدكتور باسل الخطيب لطب الأطفال

Dr.Basel Khatib's Pediatric Web Site

روابط صور نادي الأطفال أسئلة شائعة وجّه سؤالاً راديو تلفزيون صحافة المقالات الرئيسة
Migraine

 

آذان وأنابيب!

قصة التهاب الأذن الوسطى

عند الأطفال

 

سألني صديقي: ما هو أشيع مرض تشاهده في عيادتك؟ قلت ــ دون أي تردد ــ : التهاب الأذن الوسطى. قال: إذن فإن التهاب الأذن الوسطى هو أشيع مرض يصيب الأطفال؟ قلت: لا! قال: حيّرتني يا أخي! كلامك فيه تناقض. قلت: أبداً! كلامي ليس فيه أي تناقض. ولكنك عجول في استنتاجاتك. خذ رشفة من فنجان القهوة الذي أمامك على الطاولة واستمع لي بهدوء. ثم تابعت: إن أشيع مرض يصيب الأطفال هو الزكام. أو ما ندعوه الالتهاب الفيروسي للطرق التنفسية العلوية. ولكن الأهل لا يحضرون أطفالهم إلى الطبيب في كل حالة من حالات الزكام. فأغلب الناس يستخدمون أدوية ــ بمعرفتهم ــ لعلاج هذه المشكلة. أما في حالة إصابة الطفل بالتهاب الأذن الوسطى فإن الألم الذي يصاب به يجعل الأهل يسارعون إلى زيارة عيادة الطبيب فوراً وفي كل حالة تقريباً. وبالتالي فإن أشيع مرض يشخصه طبيب الأطفال ويقوم بعلاجه هو التهاب الأذن الوسطى. هل كلامي منطقي؟ قال: بعد هذا الشرح ... نعم. ولكنك تجعلني أستغرب الآن! قلت: تستغرب ماذا؟ قال لي: إذا كان هذا المرض شائعاً إلى هذه الدرجة الكبيرة فكيف لم تكتب عنه حتى الآن وقد كتبت عن أمراض كثيرة أقل شيوعاً؟ قلت: لأول مرة في حديثنا تقول كلاماً معك فيه حق. ولكن كما

 يقولون : ( شدة القرب حجاب!) وربما لكثرة مشاهدتي لهذا المرض الذي أتعامل معه يومياً فاتني أن أكتب عنه حتى اليوم. ويكفي أن تعلم أن 75%  من الأطفال يصابون بهذا المرض مرة واحدة على الأقل قبل عمر 3 سنوات. وقد يهمك أن تعرف أيضاً أن تكاليف الإصابة بالأذن الوسطى في الولايات المتحدة الأمريكية تبلغ خمسة آلاف مليون دولار في كل عام!  وتابعت قائلاً: أريد أن أسألك سؤالاً طبياً. قال: تمتحنني؟ قلت: لا... ولكن مجرّد سؤال بريء. قال: اسأل! قلت: كم أذنا يمتلك الإنسان؟ قال: لا بد أنك تمزح! وهل هذا سؤال؟ كل إنسان له أذنان. قلت: مرة أخرى تعجّلت في كلامك. جوابك خاطئ!

 

ست آذان!

 

قلت: أحبك أن تعلم أن كل أذن هي في الحقيقة ثلاث آذان! أذن خارجية وأذن وسطى وأذن داخلية. وبالتالي فكل إنسان لديه ست آذان!! قال: تقصد بالمعنى المجازي؟ قلت: يمكنك أن تقول ذلك. ولكن هذا الكلام هو مدخل بسيط لشرح معنى التهاب الأذن الوسطى. لقد جرت العادة أن يقول الناس : طفلي مصاب بالتهاب الأذن. وهم عادة يقصدون التهاب الأذن  الوسطى. وذلك لأن التهابها أشيع من التهاب الأذن الخارجية أو الداخلية. فالتهابات هاتين الأذنين ربما كان له حديث لاحق بيني وبينك. وحديثي معك اليوم متعلّق بالتهاب الأذن الوسطى تحديداً.

 

تعال ندرس التشريح!

 

إن الأذن الخارجية تتكوّن من الصيوان ــ وهو القسم الظاهر من الأذن ــ ثم القناة الخارجية التي تقود إلى غشاء رقيق يسمى غشاء الطبل. وخلف هذا الغشاء هنالك تجويف صغير فيه ثلاث عظيمات تسمى المطرقة والركاب والسندان. هذا التجويف هو الأذن الوسطى وهو متصل بنافذة صغيرة بالأذن الداخلية التي فيها القوقعة، وإن عصب السمع مرتبط بالأذن الداخلية. وهكذا تنتقل الأصوات من الأذن الخارجية إلى الوسطى إلى الداخلية إلى عصب السمع إلى الدماغ. هكذا يتم السمع. وتركيزنا اليوم على الأذن الوسطى. والأذن الوسطى ترتبط بالقسم العلوي من البلعوم بوساطة أنبوب دقيق يسمى (نفير أوستاش) وهذا النفير هو عامل مهم جداً في هذا النوع من الالتهابات. ومهمته (تهوية) الأذن الوسطى ونضح السوائل الموجودة فيها إلى البلعوم.

 

أسباب ومعالجات

 

عندما يصاب الطفل بالزكام أو التحسس أو التهاب البلعوم  فإن (نفير أوستاش) يتضيق فلا يقوم بعمله! فتتراكم السوائل في الأذن الوسطى وتنمو الجراثيم ضمن هذا الوسط فيحصل التهاب الأذن الوسطى. هذا الكلام فيه الكثير من التبسيط ولكنه يساعد في فهم ما يحصل. ومن المهم أن نذكر أن سبب الالتهاب جرثومي في 75% من الحالات وفيروسي في 25% من الحالات (حسب بعض الإحصاءات). إن وجود الطفل في بيئة يكثر فيها الأطفال (كما في دور الحضانة) يزيد احتمال الإصابة وكذلك التدخين في المنزل.  تحصل لدى الطفل المصاب حرارة وألم وقد يبكي بكاءً شديداً.  وفي بعض الحالات يتراكم القيح في الأذن الوسطى وربما أدى إلى انثقاب غشاء الطبل، وخروج القيح من القناة الخارجية للأذن. وفي تلك الحالة تخف شدة الألم عندالطفل فيرتاح وينام. ولكن مشاهدة القيح يخرج من الأذن كثيراً ما ترعب الأهل.  وتشيع الإصابة بشكل خاص بين عمر 6 أشهر وعمر 6 سنوات. وذلك لأسباب عديدة منها أن مناعة الطفل لا تكون قد اكتملت في هذا العمر ومنها أن شكل (نفير أوستاش) في تلك المرحلة العمرية يشجع على الإصابة أيضاً. وعند حصول الإصابة يقوم الطبيب بمعالجة المرض بالصادات الحيوية ثم يقوم بمشاهدة الطفل بعد حوالي أسبوعين للتأكد من الشفاء.

 

قطرة الأذن؟

 

قال لي: وبالطبع يقوم الطبيب بمعالجة الالتهاب بدواء يعطى على شكل قطرات. قلت: لا. الدواء يعطى بالفم. والحالة الوحيدة التي قد نستخدم فيها القطارة هي وجود فتحة في غشاء الطبل كما هو الحال في انثقابه أو في وجود الأنابيب الجراحية التي سأحدثك عنها بعد قليل.

 

الأنابيب الجراحية

 

إن إهمال معالجة الالتهاب قد يؤدي إلى وصول الجراثيم إلى الدماغ . هذا نادر ولكنه بالغ الخطورة. وبالتالي فلا بد من مراجعة الطبيب في كل حال يشك فيها بحصول التهاب الأذن الوسطى. إضافة إلى ذلك فإن تكرار الالتهاب قد يؤدي إلى تراكم سوائل في الأذن الوسطى وهذه السوائل قد تصبح لزجة مماثلة في قوامها للصمغ مما يعيق حركة العظيمات الأذنية ويؤدي إلى مشكلة في السمع. وفي حال التكرار الزائد عن الحد لالتهاب الأذن الوسطى وفي حال تراكم السوائل فيها فقد يلجأ الطبيب إلى تحويل الطفل إلى أخصائي بأمراض الأذن لوضع أنابيب على غشاء الطبل تقوم بتهوية الأذنين (أي أنها تعمل كبديل لنفير أوستاش) وتساعد في التخفيف من وطأة الالتهاب. هذه الأنابيب تسقط عفوياً بعد فترة تتراوح بين ستة أشهر وسنة ونصف. إن هذه الأنابيب تقلل من احتمال عودة الالتهاب. وحتى الآن لا توجد أية وسيلة وقائية لمنعه وهنالك دراسات تجري لمحاولة الوصول إلى لقاح. وقد يجري أيضاً استئصال ما يدعى (الناميات) المجاورة للوزتين أثناء جراحة الأنابيب وهذا قد يساهم أيضاً في منع التهاب الأذن الوسطى. 

 

السوائل

 

قال: عندما أصيب طفلي بالتهاب الأذن الوسطى لاحظت أنه ظل لفترة طويلة يقوم بحك أذنيه وقد أحضرته إليك وقتها فقلت لي إن الالتهاب قد شفي. فما سبب هذه الحكة؟ قلت: بعد أن ينتهي التهاب الأذن الوسطى ويزول القيح فإن السوائل قد يستمر وجودها في الأذن الوسطى لفترة طويلة. وهي التي تسبب الحكة. قال: ألا يفيد إعطاء أدوية الزكام ومضادات الاحتقان في تلك الحالة؟ قلت: لم تثبت الأبحاث العلمية أية فائدة من هذه الأدوية، وقد يقوم البعض بإعطاء المضادات الحيوية. هذه الأمور كلها تجريبية، والعلاج الحقيقي الوحيد هو الزمن فإن استمرت السوائل رغم المراقبة والانتظار فلا بد من أن نأخذ موضوع الأنابيب التي ذكرتها لك بعين الاعتبار.

 

قبل النوم

 

قال لي: فنجان القهوة لذيذ! و قد سعدت بصحبتك الليلة. قلت: وأنا كذلك. قال: آسف لكوني قد حوّلت لقاءنا الليلة إلى حديث طبي. قلت: أبداً ، إن كان حديثنا قد أوضح لك بعض النقاط المتعلقة بالتهاب الأذن الوسطى فهذا من دواعي سعادتي. قال: بالفعل! فقد عرفت الكثير من الحقائق الإضافية عن هذا المرض.  ولكنني ما زلت عند رأيي! يجب أن تكتب يوماً ما عن هذا الموضوع. أنا بالفعل لا أدري كيف يكون هذا المرض شائعاً لهذه الدرجة وله هذه الأهمية بين أمراض الأطفال ثم لا تقوم بالكتابة عنه حتى الآن. على كل فقد انتصف الليل و سأتركك الآن لتنام. قلت: قبل أن أنام لا بد لي من كتابة موضوع طبي فالصحيفة على وشك الصدور ولم أقم بكتابة مقالي المعتاد حتى الآن. قال: وماذا سيكون عنوان المقال؟ قلت: وهل هذا سؤال؟