موقع الدكتور باسل الخطيب لطب الأطفال

Dr.Basel Khatib's Pediatric Web Site

روابط صور نادي الأطفال أسئلة شائعة وجّه سؤالاً راديو تلفزيون صحافة المقالات الرئيسة
Migraine

 

ولكن .... ما هو السبيل؟

 

لم يكن في ذهني أن أكتب اليوم في المواضيع الاجتماعية، التي أعتبرها بمثابة (مواضيع مستضافة) على الصفحة الطبية،  ننشرها أحياناً عندما تقتضي الضرورة. وكانت النية أن أكتب مقالاً مختلفاً لهذا العدد. ولكن سيّدة كريمة ألحّت عليّ أن أكتب في الموضوع اليوم مرّة أخرى.

 

 لقد كانت ردود الفعل على المقالين الاجتماعيين اللذين نشرناهما منذ فترة قريبة كبيرة جداً وأكثر من أي توقع خطر على البال. وكثيراً ما كنت أجد بعض القرّاء الكرام يسألونني (ماهي أخبار نجاة؟!) و(ماذا حصل بعد ذلك في قضية الرجل العجوز الذي نشرت قصته؟) بل وصل الأمرإلى حد أن بعض الناس اتصلوا بنا لاعتقادهم أن قصة الرجل تخص أحد أقربائهم وأرادوا أن يعرفوا معلوماتٍ أكثر عنه، وحاولنا أن نشرح لهم بأننا لا يمكن أن نعطي أية معلومات عن أي شخص نذكره في مقالاتنا ولاقينا صعوبة كبيرة في إقناعهم بتفهم هذه الحقيقة التي هي من بدهيات العمل الطبي والعمل الصحفي في آنٍ معاً.

 

وبطبيعة الحال فإن ردود الفعل هذه لها دلالة واحدة تهمنا كثيراً. وهي أن هذه القصص ، وبصرف النظر عن هوية الشخص التي تتعلق به وبغض النظر عن صحة الأسماء التي ذكرناها في هذين المقالين، هي موجودة وبشكل واسع في جاليتنا العربية الأمريكية، إلى درجة أن كل شخص قد يظن أن الأمر متعلّق بإنسان يعرفه. وبمعنى آخر فإن كل قارئ يمكن أن يستفيد من القصة وهذا هو  الهم الرئيس لهذه المقالات.

 

وأعود الآن إلى موضوع السيّدة الكريمة التي كانت السبب وراء العودة إلى هذا النوع من المواضيع. فقد قالت لي بعد أن نشر المقال الأوّل المتعلّق بنجاة، وعلائم القلق تبدو على محيّاها: إن هذا المقال أصابنا جميعاً بالخوف. قلت لها: ولكن الهدف من تناول هذه المواضيع ليس إخافة القارئ. بل هو محاولة لطرح المواضيع بشكل مفتوح. وهذا الأمر ــ في رأيي ــ هوأفضل من أسلوب النعامة التي تدفن رأسها في الرمال. إن الخطوة الأولى في حل أية مشكلة هي الاعتراف بوجودها. ولا يمكن الوصول إلى أي حل قبل أن يمتلك الإنسان ، أو المجتمع، الجرأة في مواجهة هذه الحقيقة. قالت: وهذا هو الأمر الذي أحب أن تحدثنا بشأنه. قلت: أي أمر؟ قالت: الحل!! إننا نعيش هنا في هذا المجتمع. وبطبيعة الحال فإن أية جالية تبتعد عن وطنها الأصلي ستواجه مشكلات. ولكن جميع صديقاتي اللاتي حادثتهن بعد قراءة المقال كان لديهن سؤال واحد: كيف يمكننا أن نتجنّب الوصول إلى هذه النتيجة؟ كيف يمكن لأي منا أن يتجنب أن يشاهد ابنته أو ابنه يأتيه يوماً من الأيام يخبره ــ ولا يستشيره حتى ــ بأنه سيتزوج من شخص قد لا يكون ملائماً على الإطلاق، أو أن تخبره ابنته بأنها حامل مثلاً! أمور قد لا يجرؤ الإنسان حتى على تصوّرها، ولكن المؤلم حقاً أنها تحصل كثيراً لدرجة أن الأمر لا بد من تناوله. وتابعت السيدة الكريمة قائلة: إنك في مقاليك الاجتماعيين قد طرحت أسئلة مؤلمة، ولكنك لم تطرح أي جواب. ألا تعتقد أن من الواجب أن تذكر بعض الحلول أو تتناول بعض ما يمكن أن تفعله الجالية لتجنب أمور كهذه؟ قلت لها: إن هذه المقالات لا تدعي لنفسها أنها تجد الحلول بقدر ما أنها تنقل رسالة دون أي تدخل، خصوصاً وأن هذه المواضيع المستضافة على الصفحة الطبية لا تدخل في مجال اختصاصي الطبي. قالت: ولكن... هل يكفي برأيك أن نطرح هذه المواضيع دون أن نحاول أن نبحث عن حلول لها؟ قلت: لا. ولكنني أعتقد بأن أموراً كهذه تحتاج لتضافر الكثير من الجهود المتخصصة قبل الوصول إلى حل. قالت: نعم .... ولكن من يطرح السؤال، ربما كان عليه أن يشير ــ ولو حتى إشارة بسيطة ــ إلى الجواب. قلت: أنت محقة في هذا.

 

ربما كان الأمر يحتاج ــ كما ذكرت ــ إلى جهود كبيرة تدخل فيها اختصاصات مختلفة جداً من بينها الاختصاص الطبي. ولكن هنالك ثلاث نقاط أعتقد أنها مفيدة إلى درجة كبيرة في تجنب هذا الأمر الذي كان موضوع المقال الاجتماعي الذي نشرناه. إن الأمر يبدأ في المنزل الذي هو الخلية الأولى في بناء المجتمع ... أي مجتمع. والأمر الأهم في أي موضوع متعلق بالتربية ــ وأنا هنا أتكلّم في صلب اختصاص طب الأطفال ــ أن الطفل يفهم الرسالة غير المباشرة أكثر بكثير من فهمه واستجابته للرسالة المباشرة وهذه هي النقطة  الأولى التي أحب أذكرها. إن بإمكانك أن تعطي الطفل محاضرة طويلة عن تجنب البرامج السيئة في التلفزيون على سبيل المثال. ولكن إذا لاحظ طفلك أنك تشاهد هذه البرامج الضارة ــ في الوقت الذي تدمن فيه على نصحه بتجنبهاــ فإن كل جهودك في هذا المجال ستذهب هباءً. إن كلمة ا لرسالة غير المباشرة هنا تعني أن علينا أن نحيط الطفل ببيئة نقية ونظيفة يمارس فيها الأهل جميع الأمور الحياتية والأخلاقية بشكل شبه مثالي. ولعل المبالغة في الأمر قد تكون ضرورية في مجتمعات الاغتراب لأن الهدف منها هو التعويض عما يمكن أن يتعرّض له الطفل خارج إطار العائلة مما قد يؤدي به إلى الانحراف. إن الالتزام بهذه الأسس الأخلاقية يجب أن تتم مراقبته ــ وممارسته وهو الأهم ــ من قبل الوالدين اللذين يجب عليهما أن يعرفا أنهما أيضاً مراقبان من قبل أطفالهما الذين يحاولون أن يستقوا منهما جميع تصرفاتهم ومبادئهم الأخلاقية. إن مشاهدة الطفل لوالده يمارس الكذب على سبيل المثال كفيلة بالإطاحة بجميع المحاضرات المتعلقة بالصدق التي ملأ الأب أسماعه بها منذ أن وعى على الحياة. وبالتالي فإن ملاحظة هذا الأمر هي قاعدة أساس.

 

والنقطة الثانية  التي أحب أن أذكرها هي أن  الطفل الذي يتعلّم مبادئ معيّنة في إطار العائلة ثم يواجه أمورا ًنقيضة لها في المجتمع لا بد من أن يتعلّم الاعتزاز بما يمارسه وأن يعلم فوائده وشرح هذه الفوائد. وفي حال عدم غرس هذه المبادئ بالصورة الصحيحة مع الشرح والاعتزاز بها، فإن الطفل معرّض للتخلي عن هذه المبادئ في طرفة عين. وهذا الأمر يغفله الكثيرون من الأهل الذين يجيبون عن أسئلة أولادهم ــ التي هي انعكاس لأسئلة يتعرّضون لها من قبل أصدقائهم ــ بشكل دفاعي، وكأن ثقافتهم وخلفيتهم الإثنية هي متهمة وبحاجة إلى تبرئة. وهذا الأمر يمكن تجنبه تماماً في حال تناول الأمر بشكل وقائي منذا البداية. وهذا الشكل الوقائي لا يتحقق إلا بغرس الشعور بالاعتزاز بهذه الثقافة والممارسات التي نعلمها لأطفالنا. ولا يمكن لهذا الغرس أن يكون حقيقياً إلا إذا كان الاعتزاز الحقيقي والصادق موجوداً لدى الأهل منذ البداية بثقافتهم وانتمائهم ففاقد الشيء ــ كما نعلم جميعاً ــ لا يعطيه.

 

 

والنقطة الأخيرة في هذه الثلاثية الهامة هي المصارحة. إن على الأهل أن يزرعوا الثقة في أطفالهم بحيث يشعر الأطفال أن أهلهم هم الملاذ الذي يستطيعون أن يلجؤوا إليه في حال مواجهتهم لمشاكل معيّنة في حياتهم اليومية. وإن عدم كون العلاقة مبنية على المصارحة ستدفع بالأطفال للجوء إلى أصدقائهم وأترابهم الذين لا يمكن أن يقدموا لهم النصيحة الصحيحة والمفيدة لانعدام خبرتهم أوّلاً ولعدم كونهم ينتمون إلى المبادئ التي نشأ عليها الطفل. إن العلاقة الصريحة جديرة بحل الكثير من المشاكل التي يمكن أن تتراكم بشكل كبير في حال غياب العلاقة الصريحة بين الأهل وأطفالهم.

 

إن طرحنا لهذه النقاط الثلاث يمكن أن نعتبره مساهمة بسيطة في نقاش مفيد لا بد من أن يشمل الكثير من الفعاليات في الجالية العربية في أمريكا. وبطبيعة الحال فإن من التبسيط غير المفيد أن نختصر حل المشاكل التي يمكن أن تواجهها الناشئة في جاليتنا العربية بهذه النقاط الثلاث.

 

ولا بد من أن نذكر أيضاً بأن هنالك العديد من الهيئات في الجالية والتي يمكن أن تلعب دوراً هاماً في هذا المجال وتقيم حلقات نقاش وبرامج تثقيفية يمكن أن تساعد في حل المشاكل التي تواجهها الجالية.

 

 

إن كل ما حاولت أن أطرحه اليوم هو عبارة عن محاولة استجابة لطلب السيدة الكريمة التي طرحت عليّ الأمر، وأرجو أن يكون الجواب مفيداً فإن لم يفِ بجميع الغرض فلعله قد وفى ببعضه.