|
حكاية التأتأة!!
دخلت الأم الكريمة
إلى عيادتي للمرة الأولى وقد أحضرت طفلها الجميل (راضي) وأدخلته إلى غرفة
الفحص. بعد أن سألتها بعض الأسئلة العامة عن تاريخ ميلاد طفلها ووزنه
والمشاكل الصحية التي يمكن أن يكون قد عانى منها خلال حياته، طلبت إليها أن
تذكر لي السبب الذي أحضرته من أجله إلى العيادة. قالت لي: السبب سيقوله لك
راضي بنفسه. وتوجهت الأم إلى طفلها وقالت له: قل للدكتور ما هو اسمك؟ أجاب:
را... را... راضي!!
التأتأة
قالت لي الأم: هذه
هي المشكلة باختصار يا دكتور. راضي عمره الآن 6 سنوات. وهو يعاني من مشكلة
التأتأة. وأنا وزوجي مصابان بحيرة شديدة، ولا ندري ماذا نفعل حتى نساعده على
التخلّص منها. وأنا أتيتك اليوم طالبة الحل، إضافة إلى أنني أتيت بمجموعة
كبيرة من الأسئلة التي أرجو أن يتسع صدرك لها. قلت: دعيني أفحص طفلك فحصاً
كاملاً، وبعد ذلك أنا على استعداد للإجابة على ما تطلبين من أسئلة.
مشكلة مؤقتة
بعد أن انتهيت من
فحص راضي أخبرت الأم أنني قد وجدته على ما يرام وطلبت منها أن تسألني ما
تشاء، فقالت لي: سؤالي الأوّل والأهم والذي يشغل بالي وبال زوجي هو هل أن هذه
المشكلة ستبقى مع راضي مدى الحياة أم أنها مؤقتة. قلت: أحب أن أطمئنك يا
سيدتي إلى أنها في الغالبية العظمى من الحالات هي مشكلة مؤقتة. وفي واقع
الأمر فإن 98% من حالات التأتأة تحصل في العمر الذي يحصل فيه التطور الأهم
للغة في حياة الطفل أي بين عمري 2 إلى 7 سنوات. إن الغالبية العظمى من
الحالات كما ذكرت لك هي من الحالات المؤقتة التي نطلق عليها (عدم طلاقة
اللسان) وهنالك حالات نادرة بطبيعة الحال قد تستمر مدى الحياة، وفي غالب هذه
الحالات يكون هنالك سبب عصبي أو نفسي يؤدي إليها ويجعل الشفاء منها صعباً
ويتطلّب تداخلات علاجية مختلفة. أما القاعدة فهي الشفاء العفوي. سألتني: ولكن
ما هو التعريف العلمي للتأتأة؟ قلت: إن التأتأة هي عبارة عن مشكلة كلام
تتميّز إما بإعادة الحروف والكلمات أو بتطويل الحروف الصوتية أو باضطراب شديد
في الأصوات اللفظية بشكل لا يتناسب مع عمر الطفل. وكما ذكرت لكِ فإن معظم
الحالات تشفى عفوياً وقبل البلوغ. ولقد حاولتُ في تعريفي أن أبسّط لك
التأتأة، ولكن الحقيقة هي أن الأمر قد يكون أعقد من ذلك. فالتأتأة قد تشمل
إعادة الحروف والكلمات أو التوقف بين الكلمات أو إبدال الكلمات البسيطة
بالكلمات التي قد تتطلب جهداً لفظياً كبيراً كأن يقول الطفل (بيب) بدلاً من
أن يقول سيّارة في عمر يجب أن يكون قد تجاوز فيه استخدام هذه الكلمة أو أن
يعاني الطفل من شدة كبيرة أثناء لفظه للكلمات. كذلك فإن استخدام العبارات
المنقوصة أو إدخال الحروف الصوتية غير اللازمة مثل (وا وا وا ) بين الكلمات
والعبارات ... إلخ كل هذا يدخل في مجال التأتأة.
والعمل؟
قالت لي: من خلال ما
تقوله ... لا شك لدي بأن طفلي مصاب بهذه المشكلة ودعني أقل لك.. إن حالته
تشمل أكثر من حالة مما ذكرت. فهو كثيراً ما يعيد الحروف ... وربما أعاد
العبارات. وربما تعثر في بداية الكلمة ... أو عانى عند إنهائها. قلت: نعم...
يبدو أن الكثير من المعاير التي ذكرتها لكِ تنطبق على (راضي). سألتني: ولكن
السؤال الطبيعي التالي هو ماالذي يمكن أن نفعله لنعالج طفلي. هل تنصحني بأن
آخذه إلى أخصائي بمعالجة اضطرابات الكلام؟ هل عليّ أن آخذه إلى طبيب أخصائي
بالأمراض العصبية؟ أنا مستعدة لأن أفعل أي شيء ليشفى طفلي من هذه المشكلة
ويعود طفلاً طبيعياً كبقية الأطفال.
البيت أوّلاً
قلت للأم: قبل أن
نفكر في تحويل (راضي) إلى أخصائي الأمراض العصبية أو أخصائي الاضطرابات
الكلامية علينا أن نبدأ في المنزل. قالت: ماذا تعني؟ قلت: إن أهم أمر مفيد في
معالجة راضي هو تصرفاتك أنتِ وزوجك تجاهه. قالت: أنا وزوجي؟ قلت: بالضبط. إن
الكثير من الأهل لا يعلمون كيف يتصرفون تجاه طفلهم المصاب بالتأتأة. قالت: إن
ما أفعله عندما يتكلم ويتأتئ هو أنني أطلب منه أن يتوقف عن الكلام ويأخذ
نفساً عميقاً ثم يعيد عبارته. قلت: من طلب إليك أن تفعلي ذلك؟ قالت: جارتي أم
سعيد! قلت: وهل جارتك أم سعيد أخصائية بمعالجة التأتأة والاضطرابات الكلامية؟
قالت: لا ولكن لديها خبرة واسعة حيث أن لديها تسعة أطفال! قلت: إن أول ما
سأطلبه إليك هو أن تتجنبي ما نصحتك به جارتك أم سعيد. وهنالك نصائح أحب أن
تتبعيها في هذا المجال. والنصيحة الأولى هي أن عليك أن تتجنبي أية انفعالات
أو ارتكاسات أثناء إتمام طفلك لعبارته. كوني هادئة تماماً وانتظري بصبر حتى
يتم عبارته. إن إظهارك للانفعالات سيؤدي إلى المزيد من الشدة والصعوبة التي
سيعاني منهما الطفل مما يفاقم الحالة. بينما سيؤدي الهدوء إلى زيادة ثقة
الطفل بنفسه. كما أن عليك أن تتجنبي الانتقاد بجميع أشكاله. إن طلبك من الطفل
أن (يأخذ نفساً عميقاً ثم يتكلم) تدخل في مجال الانتقاد غير المرغوب به في
هذه الحال. وهنالك ملاحظة أخرى هي أن الطفل عندما يتكلم فإنما يقلّد أهله في
جميع جوانب كلامه، وعليك هنا أن تتكلمي ببطء وتتجنبي السرعة في الحديث، وهذا
سيؤدي بالطفل إلى إبطاء كلامه ويقلل من شدة التأتأة لديه. وفي نفس الإطار
حاولي أن تخففي من الأسئلة التي تسألينها خلال أي حوار وهذا سيحدو بالطفل إلى
الإقلال من الأسئلة وبالتالي ستقل شدة التأتأة لديه. إضافة إلى ذلك فلا بد من
توفير فترة هادئة في كل يوم للحديث مع طفلك (راضي). وخلال هذا الفترة يجب أن
تكون المحادثة هادئة خالية تماماً من أية محاولات لتصحيح كلام طفلك.
الحوار مسموح
قالت لي: أحب أن
أسألك سؤالاً إضافياً. قلت: تفضلي. قالت: لقد احترنا أنا وزوجي.. هل نناقش
طفلنا بشأن التأتأة أم أن هذا سيزيد من انزعاجه منها؟ قلت: لا بأس أبداً في
أن تناقشا الأمر مع طفلكما. بإمكانكما أن تسألاه كيف يشعر تجاه التأتأة وهل
هو منزعج منها... وهل يرغب بمساعدتكما للتخلًّص منها. إن أسئلة كهذه هي مفيدة
تماماً وليست ضارة كما قد يعتقد البعض. وهي قد تكون بداية للجهد الواعي لحل
المشكلة.
المعالجة الكلامية
سألتني: هل تعتقد
أننا سنضطر للجوء إلى أخصائي المعالجة الكلامية؟ ومتى؟ قلت: هذا الموضوع يمكن
أن نناقشه بعد شهرين. قالت: ولماذا شهران؟ قلت: إن التجارب العلمية تقول إن
معظم الأطفال المصابين بالحالات العادية من التأتأة يتحسنون خلال حوال ستة
أسابيع بعد اتباع النصائح التي ذكرتها لك. وأنا أعطيتك فترة إضافية للتعامل
مع الأمر. وكل ما أطلبه منك هو أن تتبعي الخطوات التي طلبتها منك بدقة كاملة
وأن تحددي موعداً في عيادتي بعد شهرين. وفي حال استمرار المشكلة فيمكن أن
نلجأ إلى أخصائيي المعالجة الكلامية. وأجابتني الأم على مضض: حسناً!!
الجواب
بعد شهرين من
زيارتها الأولى دخلت الأم إلى عيادتي برفقة طفلها (راضي). نظرت إليها فوجدت
سيدة تكاد تختلف تماماً عن تلك التي رأيتها في الزيارة الأولى. كانت مبتسمة
و(راضية) تماماً! قلت لها: هل اتبعتِ التعليمات التي تحدثنا عنها في زيارتك
الماضية؟ قالت: نعم. قلت: وهل تحدثت مع زوجك بشأن تلك النصائح التي ناقشناها؟
قالت: نعم. قلت: وهل تحدثتما مع راضي بشأن مشكلة التأتأة؟ قالت: نعم! قلت:
وهل توقفت تماماً عن اتباع نصائح السيدة أم سعيد؟ قالت: نعم!! سألتها من
جديد: وهل تحسن الأمر أم أنك لا تزالين تريدين أن أقوم بتحويلك إلى أخصائي
المعالجة الكلامية؟ ولم تُعر الأم سؤالي الأخير أي انتباه ولكنها توجهت
بدورها إلى طفلها قائلة: قل للدكتور ما هو اسمك؟ ونظر إلى الطفل بثقة كاملة
وقال: راضي!!! ولم أتمالك نفسي أن ابتسمت وقلت للأم (راضياً): لقد حصلت على
الجواب
|