موقع الدكتور باسل الخطيب لطب الأطفال

Dr.Basel Khatib's Pediatric Web Site

روابط صور نادي الأطفال أسئلة شائعة وجّه سؤالاً راديو تلفزيون صحافة المقالات الرئيسة
Migraine

 

أحمد ... والتالاسيميا ... حديث عن الزواج!!

 

عندما دخلت الأم إلى عيادتي كان وجهها شاحباً... والقلق يبدو واضحاً على محيّاها. بادرتني بعبارة سريعة خائفة: لقد اتصلت بي سكرتيرتك وطلبت مني أن أحضر إلى العيادة لأنك تريد أن تكلّمني في موضوع هام متعلّق بطفلي أحمد. قلت: صحيح!! قالت: ما هي المشكلة؟ أرجو أن تطمئنني يا دكتور! هل هنالك مشكلة؟ هل الموضوع متعلق بفحص الدم الروتيني الذي أجريته على طفلي منذ أسبوع؟ قلت: يا سيدتي هدئي من روعك. أحمد بخير... وليست لديه أية مشكلة. أنا في الواقع طلبتك لأتحدث معك ِ بشأن زواج أحمد. قالت لي مندهشة: ماذا؟!!

 

زواج أحمد

 

قلت للأم الكريمة: تفضلي بالجلوس فحديثنا قد يطول قليلاً. قالت لي: أنا لا أفهم ما تقوله إطلاقاً يا دكتور، ولعلّ هنالك خطأ ً ما. لعلّ الأمور قد اختلطت عليك. طفلي أحمد عمره سنة واحدة وأسبوعان ويومان. قلت: أعرف ذلك. قالت لي بلهجة من بدأ صبره ينفد: وأنتَ تريد أن تكلّمني بشأن زواجه. قلت: صحيح!! دعيني أبدأ القصة من أوّلها. قالت: رجاءً ... تفضل... احكِ لي القصة من أوّلها. كلي آذانٌ صاغية... كل ما يهمني هو أن أفهم ماهي المشكلة. قلت لها: هل تذكرين يومَ أجرينا اختباراً روتينياً للدم عندما أصبح عمر أحمد سنة واحدة؟ قالت: نعم. سألتها: وهل تذكرين عندما قلت لكِ إن مستوى الهيموغلوبين في دم أحمد كان منخفضاً وإن الكريات الحمر لديه صغيرة الحجم. قالت: أذكر ذلك. وعندها طلبتَ إجراء اختبار إضافي للدم أسميته الرحيل الكهربائي على ما أذكر. قلت: نعم. أسميته (الرحلان الكهربائي للهيموغلوبين). قالت لي: رحلان .. رحيل ... المهم أنك طلبت اختباراً إضافياً، وذهني منشغل منذ أرسل الدم إلى المخبر إلى أن اتصلت بي سكرتيرتك، وها أنت الآن تريد أن تحدثني عن زواج طفلي. قلت: إن نتيجة الاختبار قد بينت إصابة طفلك باضطراب بسيط يسمى (نزعة التالاسيميا). قالت لي بذعرٍ شديد: التالاسيميا؟ لقد سمعت بهذا من قبل... هذا المرض خطر جداً أليس كذلك؟ قلت: التالاسيميا مرض خطر طبعاً. ولكن أرجو أن تدققي في كلامي. أنا قلت إن طفلك (حامل) للتالاسيميا ولم أقل إنه (مصاب) بها. قالت لي: وما الفرق؟ قلت: الفرق كبير... كبير جداً يا سيدتي.

 

التالاسيميا

 

تابعت قائلاً: سأحاول أن أبسط الأمر قدر الإمكان لأشرح لك معنى التالاسيميا. إن أهم عنصر في الدم يدعى (الهيموغلوبين) وهو ما يسمى بالعربية (الخضاب). وكما يدل الاسم فإن هذه المادة هي التي (تخضّب) الدم.. أي أنها هي التي تعطيه لونه الأحمر المعروف. إن الهيموغلوبين مكوّن من سلسلتين بروتينيتين تسميان (ألفا) ومن سلسلتين تسميان (بيتا). وإن وجود عطل في إحدى أو كلا سلسلتي  ألفا يؤدي إلى داء يسمى (تالاسيميا ألفا) أو التالاسيميا الصغرى وإصابة بيتا تؤدي إلى ما يسمى (تالاسيميا بيتا) أو التالاسيميا الكبرى. ولن أدخل في التفاصيل ولكن المشكلة أن حصول هذا العطل البنيوي يؤدي ــ في التالاسيميا الكبرى ــ  إلى عجز الهيموغلوبين عن القيام بوظيفته الأساس وهي نقل الأوكسجين من الرئتين إلى الأنسجة ، كما أن وظيفته بنقل غاز الكربون من الأنسجة إلى الرئتين تتأذى. والنتيجة أن الطفل سيحتاج إلى نقل متكرر للدم، كما أن حياة الكريات الحمراء تصبح قصيرة ويؤدي ذلك إلى تضخم في الطحال الذي يقوم باستمرار بالتهام كريات الدم الحمراء المحطمة. ويحصل لدى الطفل ما يسمى بفقر الدم الانحلالي. سألتني الأم من جديد: وهل سيصاب طفلي بكل هذا؟ قلت: لا بإذن الله. فطفلك ليس مصاباً بالمرض وإنما هو حامل له. بمعنى أنه يحمل مورثة المرض وإن كان غير مصاب به، وهو سيعيش حياة طبيعية تماماً بإذن الله دون أية مشاكل. ولكن المشكلة الوحيدة تحصل في حال زواجه من فتاة تحمل مورثة المرض أيضاً. سألتني: وماذا يحصل في تلك الحال؟ قلت: في تلك الحال هنالك احتمال أن ينجبا طفلاً مصاباً بالمرض، أي أن هذا الطفل سيصاب بالأعراض الخطرة التي تحدثنا عنها، وبالتالي فإن حياة ذلك الطفل لن تكون طبيعية، وسيحتاج إلى نقل الدم المستمر وسيعاني من أعراض خطرة مهددة للحياة. قالت لي: إن هذا الأمريجب ألا يحصل أبداً. قلت: من أجل هذا اتصلت بك لأحدثك عن زواج أحمد كما أخبرتك منذ البداية، ولكنك استهجنت كلامي!!

 

اليونان

 

قالت لي: قبل أن نتحدث بهذا الأمر الشائك، أريد أن أسألك: إن كلمة (التالاسيميا) هي كلمة غريبة على مسامعي. ومن الواضح أنها كلمة غير عربية. قلت: صحيح. قالت: وما هو أصلها. قلت: (التالاسيميا) مشتقة من الكلمة اليونانية (ثالاسا)، وهي تعني (البحر) ... والسبب في هذا الاشتقاق هو أن أوّل مجموعة من الناس تم تشخيصها بهذا المرض كانت تعيش قرب البحر الأبيض المتوسط. سألتني: وهل هي مرض شائع؟ قلت: في الحقيقة فإنها أوسع الأمراض الإنسانية انتشاراً. وقد يبدو هذا الأمر غريباً، ولعل الاستغراب يزول إذا علمت أن معظم من لديهم المورثة هم من (الحَـمَلة) شأنهم شأن أحمد. أي أنهم لا تظهر عليهم أية أعراض. وعلاماتهم مخبرية فقط. قالت لي: لقد استخدمت كلمة أخرى غير عربية في حديثك. قلت: الهيموغلوبين؟ قالت: نعم... ما معناها؟ قلت: هي مكوّنة من كلمتين حقيقة ً. الأولى هي (هيم) وتعني الدم. والثانية هي (غلوبين) وتعني الكُروين... لأن شكل البروتين المرتبط بالهيم هو كروي. قالت: أليست له من ترجمة غير كلمة خضاب؟ قلت: بلى ... بعضهم كان يسميه (الكروين الدموي). قالت: ولكنها كلمة ثقيلة الظل. قلت: صحيح... ذلك استبدل بها بعض المترجمين الآخرين كلمة (الضَرَج)... !! قالت: ولكن هذه الكلمة أغلظ من الأولى. قلت: معك حق لذلك فإن بعض الناس يستخدمون كلمة خضاب. ولكن الأغلبية العظمى ترتاح من هذا الهم وتقول: (هيموغلوبين) ببساطة!!

 

الغرام المستحيل

 

قالت لي: لماذا لا نعود يا دكتور إلى الحديث الأهم الذي طلبتني من أجله؟ قلت: ما هو؟ قالت: موضوع زواج أحمد. هل نسيت؟ قلت: لم أنسَ ولكن الحديث أخذنا في متاهات العلم واللغة. على كلّ. كل ما أطلبه منكِ هو ألاّ يتزوّج أحمد من فتاة تحمل المرض. قالت: ولكن يا دكتور ألا تعتقد أن هذا الأمر صعب في بلادنا؟ قلت: معك حق. في البلدان الغربية يكون لكل إنسان سجل طبي. وبالتالي فحينما يكون هنالك حمل لمرض ما فإن الأمر يمكن تداركه منذ البداية. ولكن في بلادنا يكون الأمر محرجاً لعدم وجود هذا النوع من السجلات. قالت لي: تعال نفترض هذا السيناريو يا دكتور. ماذا لو حصل وخطب أحمد فتاة. وبعد أن التقيا وتعلّق بها وتعلّقت به ، تبيّن أن تلك الفتاة تحمل مورثة التالاسيميا. كيف بإمكاننا أن نلغي الزواج في تلك الحالة؟ ألا تعتقد أن الأمر سيكون محرجاً، وأنها ستكون لحظة إنسانية صعبة؟ قلت: بصراحة يا سيدتي أنا أوافق تماماً. وأعلم أن الأمر في منتهى الصعوبة. ولكن المشكلة هي أنني أقدم الآن الرأي الطبي، أما الجانب الإنساني للأمر فأنا أتركه لك وللعائلة لتتم معالجته. قالت: ولكنك طبيب أحمد، وأنا أطلب مساعدتك في الأمر. قلت: أرجو أن تعطيني بعض الوقت لأستشير بعض الزملاء من أطباء الأمراض النفسية وأطباء الأطفال الآخرين، ولعلي أقرأ في بعض المراجع ما يمكنني به أن أساعدك.

 

الحل

 

بعد أيام عادت الأم تسألني: هل استشرت بعض زملائك يا دكتور بشأن الموضوع الذي تحدثنا عنه؟ قلت: نعم. وقرأت في بعض المراجع التي تبحث هذا الأمر. قالت: وهل وجدت الحل. قلت: لم أجده في هذه المصادر، ولكنني وجدته في مصدر مختلف. قالت: ماهو؟ قلت: الأفلام العربية.... مع أنني لست من متابعيها. قالت: الأفلام العربية؟ قلت: نعم.... إذا حاول أحمد في المستقبل أن يرتبط بفتاة، وتبيّن أنها حاملة لمورثة الثالاسيميا..... استجمعي قواكِ .... وخذي نفساً عميقاً.... وانظري في عينيه وعينيها ... وقولي بصوتٍ عالٍ: (الجوازة دي مش لازم تتم)!!!!