موقع الدكتور باسل الخطيب لطب الأطفال

Dr.Basel Khatib's Pediatric Web Site

روابط صور نادي الأطفال أسئلة شائعة وجّه سؤالاً راديو تلفزيون صحافة المقالات الرئيسة
Migraine

 

 ً

عندما يخوض الأطفال

حرب الاستقلال!

 

قد تقول لي: إننا مللنا الحروب. الأخبار تملأ النفوس غمّاً و الصحف مملوءة بقصص لا تسر القلب. فلماذا تحدثنا عن الحروب في صفحة هي في الأصل للمواضيع الطبية؟ و أقول لك: إن هذه الحرب من نوع آخر. كلنا خاضها ـ ذكوراً و إناثاً ـ في مرحلة معيّنة من حياتنا. و هي معركة لم نستخدم فيها بندقية ولا مدفعية و لا شيئاً من هذا القبيل. و مع ذلك فهي حرب هامة أدعوها دائماً "حرب الاستقلال". فهل تريد أن تسمع القصة من أولها؟

 

 

أريد حلاً

 

دخلت أم منير وحدها إلى عيادتي. نظرت، فلم أجد منيراً معها و كانت قد طلبت موعداً. قلت: أهلاً و سهلاً أين منير؟ قالت ليس معي لقد أتيت إلى المكتب اليوم وحدي. قلت: هذه عيادة أطفال كما تعرفين. قالت: نعم و أنا هنا لهذا السبب. قلت: وطفلكِ ليس معك؟ قالت: نعم ، لقد تركته عند أختي. قلت: هل هذه أحجية؟ قالت: لا أبداً أنا هنا لأحدثك عن منير. قلت: ولماذا لم تحضريه معكِ اليوم ؟ قالت: لأنني لو أحضرته لما استطعناأن نتكلّم فهو سيقلب العيادة و المكتب رأساً على عقب وكأنها قد خاضت حرباً عالمية وهذا ما يحصل في بيتنا كل يوم. قلت: منير الملاك البريء يفعل ذلك؟ قالت: لقد كان ملاكاً بريئاً حتى احتفلنا بعيد ميلاده الأوّل منذ ستة أشهر. ثم تغير كل شيء.

 

لستُ ملاكاً

 

وتابعت قائلةً: لقد كان منير طفلاً هادئاً عذباً و كانت جميع أموره على ما يرام. و منذ شهرين لاحظنا أنا وزوجي تغيّرات كبيرة عليه. فقد بدأ الأمر بأن شهيّته قد قلّت لدرجة كبيرة وصار يريد أن يختار أنواعاً محددة من الأطعمة. وبعد ذلك أصبح عنيداً جداً فهو يريد كلّ شيء على مزاجه الخاص وإذا حصل أن فعلنا شيئاً  لا يريده فإنه يحدث في البيت مشكلةً لها أوّل و ليس لها آخر. يبكي ويضرب الحائط برأسه لدرجة أننا صرنا نخاف عليه كثيراً. أما الكلمة المفضّلة لديه فهي "لا"!

 

أين عقلي

 

رشفت أم منير بعضاً من الماء من كأسها ثم تابعت: لقد أصبح الأمر بالنسبة لنا أنا و زوجي مزعجاً جداً. نحن  ظننا في البداية أن الأمر قضية عابرة و لكننا نلاحظ الآن أن الأمر يزداد سوءاً وهو يكاد أن يصل بنا الآن إلى درجة الجنون.

 

دموع الحب

 

وترقرقت في عيني الأم الفاضلة دموع كادت أن تسيل و قالت لي: إننا نحب طفلنا كأي أم و أب و لكننا نريد له أن يعود كما كان. ذلك الطفل الوديع الهادئ. هل لهذه المشكلة من حل؟  قلت: الأمر بسيط يا سيدتي. طفلك يخوض "حرب الاستقلال"! قالت: حرب الاستقلال؟ وأي حرب هذه؟ قلت: هل تذكرين عندما كان طفلك طفلاً وديعاً يأكل أي شيء تطعمينه إيّاه و يفعل كل شيءٍ تطلبينه منه؟ قالت: سقى الله تلك الأيام. قلت: كان ذلك في السنة الأولى من الحياة. في تلك المرحلة من التطوّر و التي تسمى مرحلة "الطفل الرضيع" لا تكون للطفل أية شخصية .... لا يكون له كيان... أو كما تقول مصطلحات الطب النفسي لا تكون له "أنا" مستقلة. لم يكن هنالك في الساحة سوى شخصية الأهل. وأما الآن بعد أن يصبح عمر الطفل سنة فإننا ندخل في مرحلة جديدة تسمى مرحلة "الطفل الدارج" و تسمى كذلك لأن الطفل يدرج فيها أي يمشي بشكل غير واثق هذه المرحلة تستمر سنتين تقريباً و فيها تبدأ شخصية الطفل بالتكوّن و تصبح له "أنا" مستقلة. فهو قد يحب أشياء لا يحبها الأهل و قد يكره أشياء يريدها الأهل و هذا ينشأ عنه صراع طبيعي. وما يفعله منير الآن هو محاولة تأسيس استقلال شخصيّته و لذلك فأنا أسمي هذه المرحلة ببساطة "حرب الاستقلال".

 

و سألتني السيدة: وما هي الطريقة السليمة للتعامل مع هذا الأمر؟ قلت: إن الأمر يتلخّص بثلاثة أمور: الوعي و الرفق و الحزم. فلا بد أن يعي الأهل أن هذه المرحلة هي مرحلة طبيعية من مراحل التطوّر تحصل عند كل طفل بدرجات مختلفة. والرفق  هنا يعني أن نأخذ الأمر بهدوء ولا نبادل الطفل عناداً بعناد. ثم الحزم الذي يعني أن علينا أن ُنفهم الطفل بذكاء أن له حدوداً لا يمكن له أن يتجاوزها. ولابد من أن أحذرك هنا من أن تجعلي سلوك الطفل مركز اهتمام العائلة. إن الطفل يحاول ـ دون وعي ـ أن يلفت انتباه الأهل إليه من خلال تصرّفاته هذه، و على الأهل أن يشعروه بالمحبة دائماً ولكن يجب أن يعلم تماماً أن تصرفاته المزعجة لاتجعله أبداً مركزاً للاهتمام في العائلة وإلا أدّى ذلك إلى المبالغة فيها.

 

النهاية

 

قالت: وكيف تكون نهاية هذه المرحلة الصعبة؟ قلت: اطمئني! فالنهاية سعيدة كنهايات الأفلام العربية! فبعد سنتين من المعاناة يدخل الطفل في المرحلة التالية وهي "مرحلة ما قبل المدرسة" و هي تستمر من عمر ثلاث سنوات إلى عمر خمس سنوات وهي من أعذب المراحل في حياة الطفل. يزداد خلالها لطفاً و تكون أسئلته ذكية و حديثه جميلاً و ممتعاً. وإذا كان دأب الطفل الدارج أن يعاند الأهل، فإن هدف طفل ما قبل المدرسة يكون إرضاء الأهل. وأنا أعتبر هذه المرحلة مكافأة يتلقّاها الأهل جزاء ما عانوه في المرحلة السابقة. ولعلّنا نتحدّث عن تلك المرحلة في زيارة قادمة. قالت: أرجو أن تأتي تلك المرحلة قريباً. قلت: كل آتٍ قريب!

 

في تلك الأثناء دخلت ممرضتي وقالت لأم منير:  لقد اتّصلت أختك الآن وهي ترجوكِ أن تذهبي إلى منزلها الآن وتأخذي طفلك فهي تكاد أن تفقد عقلها! ونهضت الأم وقالت لي: شكراً على شرحك واهتمامك. قلت: أهلاً بك في أي وقت! و سألتها: و ماذا ستفعلين اليوم؟ قالت: سآخذ ولدي إلى المنزل وأتابعه من جديد وهو يخوض حرب استقلاله!