|
الثآليل بين الحقيقة والأسطورة والبقلة
الحمقاء!!
قلت للأم ــ وقد أحضرت طفلها إلي تشكو
من مشكلة جلدية أصيب بها ــ : طفلك مصاب بالثآليل يا سيدتي! أجابتني بلهجة
شبه ساخرة: ثآليل؟ قلت: نعم. قالت: وهل تعتقد يا دكتور أنني أحضرت طفلي إليك
لتقول لي هذا؟ قلت: ولماذا أحضرته إليّ إذاً؟ قالت: إن أية أم تستطيع أن تشخص
هذه المشكلة. الثؤلول داء جلدي واضح وبسيط. وأنا بصراحة قد قرأت عشرات
المقالات من علوم الأوّلين والآخرين عن هذا الموضوع. وأنا ما أتيت إليك اليوم
إلاّ لتقدم لطفلي العلاج الذي يجعله يتخلص من هذا المرض. قلـت: الآن بدأنا
بالموضوع المعقد. قالت: معقد؟ قلت: أكثر مما تظنين. سألتني: وهل تحاول أن
تخبرني أن حالة ولدي خطرة؟ قلت: أبداً. ولكنني أحببت أن أذكر لك أن الكثير من
الناس يتصورون أن الثآليل قد تشفى خلال أيام باستخدام مرهم بسيط وهذا
الاعتقاد خاطئ. فالأمر قد يتطلّب معالجات متعددة. ولكن ما رأيك أن أعطيك فكرة
عامة عن الثآليل قبل أن نصل إلى موضوع معالجتها؟ قالت: يا حبذا.
الثآليل
قلت: الثآليل هي ــ بطبيعة الحال ــ جمع
ثؤلول. في بعض الأقطار العربية يطلق عليها اسم (تالول) وفي هذا تبسيط للثاء
وتحويلها إلى تاء وهذا أمر شائع بطبيعة الحال. وفي أقطار أخرى يطلق عليها اسم
(فالول) وهذا أمر عادي بل هو في صلب العربية الفصيحة التي كانت تستخدم
(الفاء) و(الثاء) بشكل تبادلي. ولهذا أمثلة كلاسيكية واضحة كاستبدال كلمة
(فوم) بكلمة (ثوم). وإذا تجاوزنا موضوع اللغة والتسميات فأنا أود أن تعرفي أن
الثؤلول ناجم عن فيروس. قالت باستغراب: فيروس؟ قلت: نعم. قالت: وهل هذا يعني
أن الثؤلول معدٍ؟ قلت: نعم. قالت: وما هو اسم الفيروس المسبب لهذا المرض؟
قلت: هو يدعى فيروس (بابيلوما) وقد بينت الأبحاث وجود أكثر من 80 نوعاً لهذا
الفيروس. وعلى العموم فهنالك خمسة أنواع للثؤلول. أوّلها الثؤلول الشائع وهو
الذي يعاني منه طفلك. وهنالك أيضاً الثؤلول المسطح والثؤلول الخيطي والثؤلول
الأخمصي والثؤلول التناسلي. وكما هو واضح فإن التسمية ناجمة إما عن شكل
الثؤلول أو عن موقعه. أما الأسباب والمعالجات فمتقاربة. سألتني: وهل يصاب
المريض الذي يعاني من الفيروس بأعراض؟ قلت: العرض الأهم هو الثؤلول نفسه وهو
عبارة عن نموّ حميد على الجلد. قالت: وماذا تعني بكلمة حميد؟ قلت: أي أنه ليس
خبيثاً أو سرطانياً. وهذا النمو قد يكون بلون الجلد أو بلون غامق أكثر وربما
نمت عليه بعض الأوعية الشعرية الدقيقة. والثؤلول غير مؤلم على العموم إلا في
حال وجوده في أماكن تتعرض للضغط المستمر كالأصابع أو أخمص القدم.
العدوى
سألتني الأم: وكيف يتم انتقال الثؤلول
من شخص إلى آخر؟ قلت: لما كان الثؤلول مرضاً فيروسياً فإن التماس مع الثؤلول
قد يؤدي إلى العدوى. وهذه العدوى قد تكون ذاتية فتؤدي إلى انتشار الثؤلول في
أماكن أخرى من الجسم، أو غيرية أي أنها تؤدي إلى إصابة شخص آخر. ومن المهم أن
نعرف أن فترة الحضانة ــ أي الفترة بين التماس وظهور المرض ــ هي طويلة
نسبياً حيث أنها تتراوح بين 2 ــ 9 أشهر. قالت: وهل تحصل العدوى في كل مرة
يحصل فيها تماس مع الثآليل؟ قلت: لا. فقط نسبة معينة من الحالات تؤدي إلى
الانتقال. وهذا النسبة ليست واضحة تماماً فهي تختلف حسب الدراسات. ولكن من
المعروف أن هنالك أشخاصاً معرضين أكثر من غيرهم لحصول الإصابة. سألتني: وما
هي عوامل الخطر التي تزيد احتمال الإصابة؟ قلت: المشي دون حذاء على السطوح
الرطبة كما هو الحال في حمامات السباحة وكذلك استخدام مناشف الآخرين وعض
الأظافر والأصابع والتعرق الشديد. كذلك فإن الأشخاص المصابين بضعف في المناعة
معرضون أكثر من غيرهم للإصابة. ومما يذكر أن نسبة الإصابة بالثآليل تقل مع
التقدم بالعمر، وربما كان السبب في ذلك تطور مناعة ضد فيروس الثؤلول عبر
الشهور والسنين.
المعالجة
قالت لي: إن هذا الأفكار التي أعطيتها
لي فيما يخص الثآليل هي أفكار مفيدة فعلاً. ولكن الأهم بالنسبة لي هي أن تعطي
طفلي معالجة تؤدي إلى شفاء الثآليل. ما هو اقتراحك يا دكتور؟ قلت: كما ذكرت
لكِ فإن قضية المعالجة في مجال الثآليل هي أمر شائك فعلاً. من حيث المبدأ فإن
المعالجة لا ضرورة لها في معظم حالات الثآليل. قالت: وكيف ذلك؟ قلت: الثآليل
تميل للشفاء العفوي ولكن هنالك مشكلة. سألتني: وما هي؟ قلت: المشكلة هي أن
الشفاء قد يحتاج لفترة طويلة قد تمتد لسنين في بعض الأحيان. قالت: وهل تريدني
أن أصبر لسنين حتى تشفى هذه الثآليل المزعجة؟ قلت: لهذا فإننا نعطي الأمهات
والآباء خيارات متعددة. أحدها هي الانتظار كما ذكرتُ لكِ ، ويبدو أنكِ لست من
محبذيه. قالت: أبداً. قلت: حسناً. نحن نبدأ عادة باستخدام بعض أنواع المراهم
التي تؤدي إلى تقرّن الثآليل ومن ثم زوالها. والمشكلة في هذا الخيار العلاجي
هي أن نسبة النجاح ليست عالية. ومع ذلك فإننا نبدأ بها في معظم الأحيان لأن
تأثيراتها الجانبية معدومة تقريباً ولا خسارة من المحاولة. وهنالك على العموم
بعض المراهم التي تم إنتاجها حديثاً ومشكلتها هي ارتفاع ثمنها. وفي حال قرر
الأهل استخدام هذه المراهم فلا بد من استمرار المعالجة لشهرين أو ثلاثة أشهر
قبل أن يحصل الشفاء أو التحسن. قالت: هذا أمر لا يناسبني!! فأنا وزوجي
منزعجان فعلاً من هذه الثآليل ونريد علاجاً أكثر سرعة. قلت: هنالك معالجات
تطبق إما في عيادة طبيب الأطفال أو طبيب الأمراض الجلدية وهي تتضمن حقن
الثؤلول ببعض المواد التي تؤدي إلى انحلاله. قالت: طفلي يخشى الحقن العضلية
والجلدية ولا أظن أننا سنتركه يعاني من معالجة من هذا النوع. قلت: حسناً.
هنالك معالجة بديلة. وهي ما يدعى بالمعالجة التجميدية. قالت: وما هي هذا
المعالجة. قلت: هنالك أجهزة تقوم بتطبيق غاز النيتروجين السائل على الثآليل
وهذا يجعل حرارة الجلد تهبط دون درجة التجمد مما يؤدي إلى موت الثآليل ومن ثم
سقوطها. قالت: ولكن طفلي لا يحب البرودة. تصوّر ... إنه يخاف من اللعب بالثلج
بسبب برودته الشديدة. أليست لديك معالجات أخرى؟ قلت: بلى! هنالك المعالجات
الليزرية والكهربائية والجراحية. وهذه جميعاً يتم تطبيقها في عيادة طبيب
الأمراض الجلدية. وبالمناسبة .. فلا يوجد أي دليل علمي على أن فعالية هذه
الأساليب هي أعلى من المراهم. قالت: وهل هذه المعالجات مؤلمة؟ قلت: نعم ...
إلى حد ما. سألتني الأم: وما هي نسبة نجاح هذه الوسائل العلاجية؟ قلت: حسب
الإحصاءات العلمية الدقيقة فإن نسبة النجاح تتراوح بين 60% و 70% . قالت: لا
أعتقد أننا من أجل نسبة ضئيلة كهذه سنغامر بتعريض طفلنا للألم والخوف. قلت:
بصراحة لقد حيّرتني يا سيدتي وقد أسقط في يدي. أنا أعطيتك الخيارات جميعاً
ويبدو أن أياً منها لا يلائمك. هل تريدين أن تأخذي بعض الوقت للتفكير بالخيار
الملائم؟
علاجات بديلة
قالت لي الأم: لقد قرأت عن بعض العلاجات
البديلة وأريد أن أسألك عنها. قلت: تفضلي. قالت: لقد قرأت في كتاب (الحاوي في
الطب) أن دلك الثآليل بالخرنوب الفج يذهبها البتة!! قلت: وهل وصلت قراءاتكِ
إلى (الحاوي في الطب)؟!! قالت: نعم. قلت: وهل جرّبتِ الخرنوب؟ قالت: نعم ...
ولم ينفع. قلت:دعيني أخبركِ إذاً ببعض العلاجات البديلة التي قرأت عنها أنا.
قالت تفضل. قلت:هنالك قشر البلسان مع الخل. قالت: هذه قرأتها في كتاب (الجامع
للمفردات والأدوية) وقد جرّّبتها ولم تنفع!! قلت: وهنالك حليب أغصان التين.
قالت: هذه قرأتها في كتب ابن النفيس ولم تكن مجدية. قلت: هنالك من يوصي
بإحراق الباذنجان وحرق رماده بالخل ثم دلك الثؤلول به. قالت: هذه قرأتها في
كتب ابن البيطار... ولم يتحسن ولدي!! قلت: يا سيدتي حيّرتني فعلاً ماذا
تريدينني أن أفعل؟ قالت: لقد قرأت وصفة في كتاب (القانون في الطب) لابن سينا.
قلت: وما هي؟ قالت: هو يوصي بدلك الثؤلول بالبقلة الحمقاء. قلت: وما هو
المطلوب مني الآن؟ قالت: أن تشرح لي ما هي البقلة الحمقاء. قلت: أما هذه فلا
علم لي بها ... ويسأل عنها ابن سينا
ً
|